د. سعود النداح
راقب إنساناً يستقبل اتصالاً من رقم لا يعرفه؛ يعتدل صوته وتتهذب مفرداته ويصبر على شرح طويل لا يعنيه، ثم يأتيه بعد دقائق اتصال من بيته فيرد مقتضباً ويقاطع ويستعجل النهاية.
المسافة بين الاتصالين لا تقيسها الأخلاق، فصاحبنا ليس فظاً ولا سيئ التربية، والدليل أنه قبل قليل كان نموذجاً في الرقي، المسافة بينهما تقيسها آلية أعمق نعيشها جميعاً ولا ننتبه لها: نحن لا نوزع لطفنا على من يستحقه، نوزعه على من نشعر أننا تحت تقييمه.
فكل تفاعل اجتماعي يكلف طاقة، والإنسان يدير علاقاته كما تُدار ميزانية محدودة؛ يضع أفضل ما عنده حيث تكون صورته على المحك، ويترك بقايا يومه لمن يطمئن أنهم باقون مهما فعل، وهذه ليست خسة في الطبع، إنها اقتصاد نفسي يعمل في الخفاء، لا يستأذن صاحبه ولا يخبره بقراراته.
وقد لمح عالم الاجتماع «غوفمان» طرفاً من هذه الآلية حين شبه الحياة الاجتماعية بالمسرح: منصة أمامية نؤدي عليها أدوارنا بعناية، وغرفة خلفية نخلع فيها القناع ونستريح من التمثيل، والمأساة أن أقرب الناس إلينا هم سكان الغرفة الخلفية بالذات؛ يشاهدون النسخة التي خلعت قناعها، بينما ينال الزملاء وعابرو الطريق النسخة التي راجعت نصها جيداً قبل أن تصعد.
والأغرب من هذا كله أننا لا نمنح الغرباء أفضل أخلاقنا فقط، نمنحهم أحياناً أصدق أحاديثنا، كم من مسافر باح لجاره في الطائرة بما لم يبح به لإخوته، وكم من إنسان وجد نفسه يحكي لسائق أو حلاق أو زميل دورة عابرة شيئاً ظل يخفيه عن بيته سنوات؟
والسر أن الغريب يستمع إليك بلا ملف؛ لا يحمل عنك صورة قديمة يقيس عليها كلامك، ولا يستطيع أن يستخدم اعترافك ضدك في خصومة قادمة، ولن يلقاك غداً على مائدة الإفطار بعينين تعرفان سرك، والقريب يسمعك بذاكرته، والغريب يسمعك بأذنيه، ولهذا نرتاح إليه أكثر مما ينبغي.
وفي عملي أسمع صدى هذه المعادلة بصيغ لا تنتهي، وأكثر جملة تتكرر في جلسات الأزواج: «الناس في الخارج لا يصدقون شكواي منه».
وذات مرة قالتها امرأة بصياغة لا تُنسى: «زملاؤه يعرفون نسخة منه لم أرها منذ عشر سنوات». لم تكن تشكو رجلاً سيئاً؛ كانت تشكو ترتيباً خفياً جعلها في آخر بنود الإنفاق.
والحياة الحديثة عمقت هذه المعادلة دون أن ننتبه؛ فالوظيفة تشتري من الإنسان ساعاته الأفضل بعقد حصري: أول النهار حيث الذهن صافٍ والاحتمال في أعلاه والابتسامة في كامل لياقتها، ثم يعود إلى بيته وقد أنفق رصيد اليوم كله في إرضاء من يقيمونه، فيستلم البيت ما تبقى: جسداً حاضراً وذهناً غائباً وطاقة منتهية الصلاحية. نحن نبيع أفضل ساعاتنا في السوق، ونعود إلى من نحب بالفكة.
وهنا مفارقة تستحق التوقف: اللطف يتناقص كلما ازداد الأمان. فكلما رسخ يقينك أن شخصاً لن يتركك مهما فعلت، قل حرصك على انتقاء كلماتك معه، لأن اللطف في جوهره جهد نبذله حين نخاف على علاقة من الانكسار، فإذا اطمأننا إلى متانتها توقفنا عن صيانتها.
ولهذا يقسو كثيرون على من يحبونهم أكثر مما يقسون على الغرباء، والقسوة هنا ليست كرهاً، إنها شعور بأمان زائف يقول لصاحبه: هذا الشخص سيبقى دائماً.
وهو افتراض نادراً ما يصمد، فالعلاقات قلما تموت بضربة واحدة، تموت بالتقسيط، ببقايا الأيام التي ظن صاحبها أنها تكفي.
والوجه الأكثر إيلاماً في القصة أن أهلنا لا يعرفون أنهم يستلمون البقايا؛ يظنون أن ما يصلهم هو حقيقة مشاعرنا نحوهم.
فالطفل الذي يقابله أبوه بالاقتضاب لا يقول في داخله «أبي مرهق»، يقول «أبي لا يحبني»، والزوجة التي تسمع النبرة الجافة كل مساء لا تفسرها تعباً، تفسرها فتوراً، البقايا لا تصل إلى البيت بوصفها بقايا، تصل بوصفها رسائل، ويبني عليها من نحب استنتاجات تكبر في صمت حتى تصبح قناعات.
والأدهى أننا نعرف هذا كله في دواخلنا، لكننا نسكته بوعد مؤجل: سأجلس معهم حين أرتاح، وسأعوضهم حين تخف الضغوط.
غير أن «الوقت الأهدأ» موعد لا يحضر أبداً، لأن النهار الذي يليه يشتري النسخة الأفضل بالعقد نفسه، فيتحول التعويض إلى دين يتراكم بلا سداد، ويكبر الأبناء وتشيخ الأمهات ونحن ما زلنا ننوي.
وراقب كيف ينقلب السلوك حين يشعر الإنسان أن العلاقة مهددة فعلاً: يعود اللطف فجأة، وتُنتقى الكلمات بحذر، ويظهر صبر لم يكن موجوداً قبل أسبوع، لم يتغير الحب، تغير التقييم؛ خوف الفقدان أعاد القريب إلى خانة من نحسب لهم حساباً، فاستدعى معه الأدوات نفسها. وهذا وحده دليل على أن حسن المعاملة لم يكن يوماً فوق طاقتنا، كان فقط خارج ميزانيتنا.
والبيت أول مدرسة لهذا النمط، الطفل الذي يرى التجمل أمام الضيوف والمصارعة خلف الباب المغلق لا يحتاج محاضرة في الازدواجية؛ يشاهدها تطبيقاً حياً، فيتعلم أن للناس وجهاً وللبيت وجهاً، ثم يحمل الدرس بعد عشرين سنة إلى بيت يبنيه بيديه، وهكذا تنتقل المعادلة جيلاً بعد جيل دون أن يوقع عليها أحد.
ثم يأتي الميزان النبوي فيقلب هذا الاقتصاد كله رأساً على عقب: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، تأمل موضع التفاضل؛ لم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم في المحافل حيث يجيد الجميع الأداء، جعله في الغرفة الخلفية بالذات، في المكان الوحيد الذي لا يمثل فيه أحد. وكأن الحديث يقول: أرني نسختك حين يغيب التقييم، أُرِكَ حقيقتك.
وليست الدعوة أن نمثل أمام أهلنا كما نمثل أمام الناس، فالبيوت لا تحتمل ممثلين، والغرفة الخلفية حاجة إنسانية مشروعة نستريح فيها من أدوار النهار الطويلة.
الدعوة أن نراجع بنود الميزانية، وأن يأخذ الأهل من الاحتمال والانتباه وانتقاء الكلمات نصيباً يليق ببقائهم لا ببقايانا. والوعي وحده يكسر نصف الحلقة، لأن هذه الآلية تعمل في الظلام فإذا سُلط عليها الضوء ارتبكت؛ يكفي أن تسأل نفسك في لحظة حدة مع قريب: لو كان مكانه ضيف، هل كنت سأقول الجملة نفسها وبالنبرة نفسها؟ فإن كان الجواب لا، فالمشكلة ليست في أعصابك، إنها في ترتيب أولوياتها.
إن الغريب يأخذ أفضل نسخنا لأننا نحسب أنه قد يغادر، وأهلنا يأخذون البقايا لأننا نثق أنهم باقون. والحقيقة التي تتكشف دائماً متأخرة أن البقاء ليس صفة في الناس، إنه ثمرة معاملة؛ وأن أعظم خسارات العمر ليست في من غادرونا، إنما في من بقوا طويلاً ينتظرون نسخة منا نعرف طريقها جيداً، لكننا كنا نرسلها كل صباح إلى العنوان الخطأ.

