د. محمد العرب
في المهنة التي أفنيت فيها أكثر من ثلاثة عقود، التقيت ملوكاً ورؤساء وقادة وفلاسفة ومفكرين من مختلف أنحاء العالم، وغطيت حروباً وأزمات ومؤتمرات ومفاوضات غيّرت خرائط السياسة إلى الأبد، غير أن بعض اللحظات لا تُقاس بمنصب من تقابله، بل بالأثر الذي تتركه في الوجدان، ومن بين تلك اللحظات الأربع التي ستبقى محفورة في ذاكرتي ما حييت، تشرفت فيها بمصافحة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله.
لم تكن تلك المصافحات الأربع مجرد لقاءات بروتوكولية عابرة، بل كانت محطات إنسانية ومهنية صنعت في داخلي صورة رجل دولة استثنائي، يجمع بين هيبة القيادة، ودقة المتابعة، وعمق الانتماء لتاريخ أمته وحضارتها.
كانت المرة الأولى في مدينة أغادير المغربية، عندما كنت أغطي زيارة صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبدالعزيز، رحمه الله، إلى أخيه الأمير سلطان بن عبدالعزيز، رحمه الله، بعد رحلته العلاجية. يومها كنت الصحفي الوحيد من خارج الإعلام الرسمي السعودي الذي حضر تلك المناسبة، بعدما قطعت رحلة برية استمرت ثماني ساعات للوصول إلى مكان الزيارة، إيماناً مني بأهمية توثيق حدث كان ينتظره الشعب السعودي والعربي والإسلامي بشغف للاطمئنان على رجلٍ أحبته القلوب.
كان الملك سلمان آنذاك أميرًا لمنطقة الرياض، يقف في استقبال أخيه الأمير مشعل. وما إن وقع بصره عليّ حتى تقدمت لتحيته، وكانت تلك أول مرة أتشرف فيها بمصافحته. وما زلت أذكر حتى اليوم حضوره الطاغي؛ فقد كان يتابع أدق تفاصيل الزيارة، حاضر الذهن، واسع الملاحظة، وكأن كل صغيرة وكبيرة تمر أمام عينيه. كانت الكاريزما تسبق خطواته، والهيبة تملأ المكان، حتى إن مجرد الوقوف في محيط ذلك المشهد كان يمنح الإنسان شعوراً بالفخر.
أما اللقاء الثاني، فكان في منتدى أصيلة بالمملكة المغربية عام 2008، حيث ألقى كلمة ما زال جزء منها يتردد في ذاكرتي حتى اليوم. قال، حفظه الله: “المغرب العربي ورث تراث الأندلس فحفظ أصوله وصبغ بها كيانه، تماماً كما كانت الحركة العلمية في دمشق وبغداد مراكز النبوغ الفكري في سائر الممالك شرقاً وغرباً، وإن الأصل الأول لذلك كله من الجزيرة العربية، مهد العروبة، حيث انطلقت دعوة الإسلام.”
لم تكن تلك الكلمات مجرد خطاب افتتاحي، بل كانت قراءة عميقة لوحدة الحضارة العربية والإسلامية، ورؤية تربط أطراف الأمة بتاريخها المشترك، بعيداً عن الحدود الجغرافية الضيقة. يومها رأيت قائداً يحتفي بتاريخ أمته كما يحتفي بوطنه، ويعتز بالمغرب كما يعتز بالرياض، ويستحضر بغداد ودمشق والأندلس بوصفها صفحات متصلة في كتاب حضارة واحدة. وكانت الأيدي تتسابق لنيل شرف السلام عليه، وكنت من بين الذين حظوا بتلك المصافحة الكريمة التي أعتز بها إلى اليوم.
ومرت السنوات، وتبدلت الجغرافيا السياسية، وانتقلت بين ساحات الأحداث، حتى تخصصت في الإعلام الحربي، وأقمت سنوات طويلة مراسلاً في اليمن، أتابع تفاصيل واحدة من أعقد الحروب في المنطقة. وفي عام 2018، تشرفت بلقاء جلالته للمرة الثالثة ضمن ضيوف مهرجان الجنادرية.
هناك، في أروقة قصر الحكم بالرياض، كان المشهد مهيبًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. اجتمع نخبة من المفكرين والإعلاميين والمثقفين العرب في ضيافة قائدٍ يقود دولة عظمى تعد لاعباً رئيسياً في معادلات المنطقة والعالم. كان القصر يفيض بالأناقة والرقي، لكن أكثر ما بقي في الذاكرة لم يكن جمال المكان، بل بساطة الاستقبال، وكرم الضيافة، والابتسامة التي تعكس ثقة القائد بنفسه وبوطنه.
تحدث إلينا الملك سلمان بكلمات هادئة، لكنها كانت مشبعة بخبرة عشرات السنين في الإدارة والسياسة، وبحكمة رجل عاش تفاصيل بناء الدولة الحديثة، وشارك في صناعة كثير من محطاتها التاريخية. وعندما تشرفت بمصافحته للمرة الثالثة، شعرت أنني لا أصافح ملكاً فحسب، بل أصافح صفحة كاملة من تاريخ المملكة العربية السعودية.
أما اللقاء الرابع، فجاء أيضًا في إطار مهرجان الجنادرية، وكانت المصافحة هذه المرة مختلفة في أثرها النفسي. ربما لأن السنوات التي سبقتها كانت قد كشفت حجم التحولات الكبرى التي تقودها المملكة، ورسخت مكانتها الإقليمية والدولية، وجعلت من اسمها رقماً صعباً في معادلات السياسة والاقتصاد والأمن.
وفي كل مرة كنت ألتقي فيها بخادم الحرمين الشريفين، كنت أزداد يقيناً بأن سر حضوره لا يكمن في المنصب وحده، بل في شخصيته التي تجمع بين الاعتزاز بالجذور والنظر بثقة إلى المستقبل. فهو يحمل في وجدانه تاريخ الآباء المؤسسين، ويؤمن بأن الحفاظ على التراث ليس حنينًا إلى الماضي، بل ركيزة لبناء المستقبل. يعرف قيمة الأرض، ويعي أن الأمم التي تفقد ذاكرتها الحضارية تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على صناعة الغد.
ولعل ما يميز الملك سلمان، في نظري، أنه يجسد مدرسة الدولة السعودية التي تؤمن بأن الأصالة والتحديث ليسا طريقين متعارضين، بل مساران يلتقيان في مشروع وطني واحد. فمن قلب الجزيرة العربية، حيث انطلقت رسالة الإسلام، وُلدت دولة استطاعت أن تحافظ على هويتها، وفي الوقت ذاته أن تصبح أحد أهم الفاعلين في الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية.
وأنا أستعيد تلك اللقاءات الأربع، لا أتذكر المصافحة وحدها، بل أتذكر المشاهد التي أحاطت بها، والكلمات التي قيلت، والرسائل التي حملتها، والإحساس العميق بأن التاريخ لا يصنعه الزمن وحده، بل يصنعه الرجال الذين يمتلكون رؤية، ويعرفون كيف يحولونها إلى واقع.
ولذلك، ستبقى تلك اللحظات الأربع من أثمن ما احتفظت به في ذاكرتي المهنية، لأنها لم تكن مجرد لقاءات مع ملك، بل كانت لقاءات مع شخصية طبعت تاريخ المملكة لعقود، وأسهمت في ترسيخ مكانتها عربيًا وإسلاميًا ودوليًا، وستظل، بالنسبة لي، صفحات مضيئة من رحلة صحفية امتدت أكثر من ثلاثين عاماً في بلاط صاحبة الجلالة.

