أحمد الفهيد
(١)
لم أكن من الذين رأوا «ليونيل ميسي» مبكرًا، رأيته كثيرًا، لكنني لم أره حقًا.
كنت أتابع مبارياته، أشاهد أهدافه، وأقرأ الأرقام التي تتساقط أمامه كما تتساقط أوراق الخريف، لكن شيئًا ما كان يحجب الصورة الكاملة، ربما لأنني كنت أنظر إليه من نافذة المنافسة القديمة بين «ريال مدريد» و«برشلونة»، وربما لأنني كنت مفتونًا بنمط آخر من العظمة، ذلك النمط الذي يجعل الأرض تهتز تحت أقدام صاحبه، ويملأ المشهد إبهارًا، وهيبة، وحضورًا، وصخبًا.
(٢)
ثم مر الوقت .. غادر الجميع مواقعهم القديمة، وسقطت الجدران التي كانت تفصل بين الحقيقة والانطباع، فأصبحت أنظر إلى البرغوث الأرجنتيني مجردًا من ألوان القمصان والشعارات والخصومات، لأكتشف أنني حرمت نفسي لسنوات من الاستمتاع بأحد أعظم من أنجبتهم ملاعب المستديرة المجنونة.
ترتيب الأفضلية عندي لم يتغير، سيبقى «دييغو أرماندو مارادونا» اللاعب الذي لا أرى له نظيرًا في تاريخ اللعبة، وسيبقى «كريستيانو رونالدو» أحد أعظم صناع الانتصارات، وأبطال التحديات الذين عرفتهم كرة القدم، لكن «ميسي» فرض على الجميع حقيقة لا يمكن الهروب منها، أنه أكثر لاعبي كرة القدم اكتمالًا.
(٣)
«الملك ليو» لا يشبه أغلب النجوم، فهو لا يركض كثيرًا، ولا يستهلك طاقته في مطاردة الهواء، ولا يتنقل بين أرجاء الملعب ليقنع الناس بأنه يعمل.
في عالم كرة القدم، حيث يخلط كثيرون بين الحركة والعمل، وبين الجهد والجدوى، يبدو ميسي كأنه جاء من مدرسة أخرى لا يعرفها إلا القليل.
يمشي أكثر مما يركض، يصمت أكثر مما يستعرض، ويفكر أكثر مما يتحرك.
(٤)
بينما تُشغل العيون بمتابعة الكرة، يكون هو منشغلًا بقراءة ما لا تراه العيون.
نظرات خاطفة تكفيه ليفرز المساحات، ويحدد مواقع المدافعين، ويقيس زوايا التمرير، ويرسم الطريق الذي ستسلكه الهجمة بعد ثوانٍ طويلة من ولادتها.
(٥)
وحين يقرر التحرك، يتغير كل شيء .. تهب عاصفة مفاجئة داخل الملعب!
قلوب الجماهير تسبق أجسادها إلى الوقوف، والمدافعون يشعرون بالخطر قبل أن يفهموا مصدره، وزملاءه يدركون أن لحظة مختلفة بدأت للتو.
لأنه لا يلعب بالكرة فقط، إنه يلعب بالوقت، ويلعب بالمسافة، ويلعب بالإدراك، ويستخدم عقله كما يستخدم قدمه اليسرى.
(٦)
كثير من اللاعبين يملكون مهارات كروية استثنائية، أما هو فكان يملك مهارات ذهنية استثنائية أيضًا، ولهذا بدت بعض لمساته وكأنها تحدث قبل أن يفكر الآخرون أصلًا بما سيحدث.
كان يرى ما لا يراه غيره، ولهذا كان يصل إلى الأماكن الصح في الوقت الصحيح، ويصنع القرار الصائب بالسرعة الدقيقة، ويحول أكثر الألعاب تعقيدًا إلى مشهد يبدو في غاية البساطة.
(٧)
ولهذا أيضًا كانت متعته مختلفة .. فالمتعة عند بعض اللاعبين تأتي من استعراض المهارة، أما عنده فكانت تأتي من الدهشة.
تلك الدهشة التي تجعلك تتساءل: كيف مرر هذه التمريرة؟.. وكيف فكر في هذا الحل؟.. وكيف وجد هذا المخرج من بين كل هذه الأقدام؟!
(٨)
ثم جاءت كأس العالم 2026، ولم تكن البطولة مجرد ميدالية جديدة (يمكن) أن تعلق في عنقه، بل كانت القطعة الأخيرة التي أكملت الصورة.
حينها أصبح من الظلم البحث عما ينقصه، لأن الـ GOAT جمع ما يكفي من العبقرية، والبطولات، والمتعة، والاستمرارية ليجلس في المكان الذي يستحقه بين أعظم من لمسوا الكرة.
(٩)
كتبت عنه قبل سنوات «أنه لاعب عملاق، وأن مهمته صناعة المتعة والفوز بالذهب».
واليوم أضيف شيئًا آخر: لقد اكتشفت متأخرًا أن متعة «ميسي» لم تكن في ما يفعله بالكرة فقط، بل في الطريقة التي يفكر بها قبل أن يفعل أي شيء .. ولهذا أكتب هذه الكلمات باعتبارها اعتذارًا متأخرًا، ليس له، فهو لا يحتاج اعتذاري، ولا اعتذار أحد، وإنما أكتبها لنفسي، لأنني تأخرت كثيرًا في رؤية لاعب عظيم جدًا، وتأخرت أكثر في الاستمتاع بمعجزة كروية لن تتكرر كثيرًا في تاريخ هذه اللعبة الجماهيرية الفاتنة.
(١٠)
أما الخلاف حول من هو الأفضل، فسيبقى قائمًا ما بقيت كرة القدم.
لكن ما لم يعد محل نقاش عندي، أن «ليونيل ميسي» كان واحدًا من تلك النماذج النادرة التي لا تكتفي بصناعة المجد، وإنما تعيد تعريف اللعبة نفسها، وتترك للأجيال التالية مهمة البحث عبثًا عن نسخة أخرى منها.

