عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ
لم تعد المواجهات بين الدول تُخاض فقط على الأرض، أو عبر البيانات السياسية، أو حتى في وسائل الإعلام التقليدية، فقد أصبحت ساحات التواصل الاجتماعي جبهةً قائمةً بذاتها، تتقاطع فيها السياسة، و الإعلام، و الحرب النفسية، و عمليات التأثير، حتى باتت تغريدة واحدة قادرة على إشعال جدل، أو صناعة انطباع، أو تشويه صورة، إذا جاءت ضمن حملة رقمية متقنة.
وفي مقدمة هذه الساحات تأتي منصة X، التي تحولت إلى الميدان الأكثر تأثيراً في تشكيل النقاشات العامة، خصوصاً في المنطقة العربية، فسرعة تداول المحتوى، و سهولة إعادة النشر، و خاصية الاقتباس، و المساحات الصوتية، كلها جعلت المنصة بيئةً مثاليةً لعمليات التأثير المنظم.
ومن بين الأساليب التي برزت خلال السنوات الأخيرة ما يمكن وصفه بـ «الخلايا العنقودية الرقمية».
هذا المصطلح لا يعني بالضرورة وجود تنظيم هرمي معلن، أو غرفة عمليات واحدة تدير آلاف الحسابات، بل يصف نمطاً من العمل يعتمد على مجموعات صغيرة من الحسابات تبدو مستقلةً ظاهرياً، لكنها تتحرك بصورة متقاربة في التوقيت، و متشابهة في السردية، و متوافقة في الهدف.
و لعل أقرب صورة ذهنية لهذا المفهوم هي عنقود العنب.
كل حبة تبدو منفصلة عن الأخرى، لكنها في الحقيقة متصلة بساق واحدة، فإذا سقطت حبة، بقي العنقود، و إذا حُذف حساب، ظهرت حسابات أخرى تؤدي الدور نفسه، و إذا انكشف مسار، انتقلت الرسالة إلى مسار مختلف دون أن تتوقف الحملة.
وهنا تكمن خطورة هذا الأسلوب، إذ لا يعتمد على قوة الحساب الواحد، بل على تكرار الرسالة، و توزيعها على عشرات الحسابات، حتى يتهيأ للمتابع أن ما يراه يمثل رأياً عاماً واسعاً، بينما قد يكون في حقيقته نشاطاً محدوداً نجح في استغلال خوارزميات المنصة.
وفي الحالة السعودية، لا يقتصر الاستهداف على قضية بعينها، بل يمتد إلى منظومة متكاملة تشمل القيادة، و الدولة، والمجتمع، و المشروع الوطني، فتارةً يجري التشكيك في القرارات السيادية، وتارةً التقليل من الإنجازات، وتارةً السخرية من التحولات الاقتصادية، و الاجتماعية، وتارةً أخرى محاولة إضعاف الثقة بين المواطن، ومؤسسات الدولة.
واللافت أن هذه الحملات لا تتحرك بصورة عشوائية، بل غالباً ما تمر بدورة عمل متشابهة، تبدأ باختيار قضية قابلة لإثارة الجدل، ثم صياغة رواية محددة، يتبعها توزيع الرسالة على عدد من الحسابات، ثم إعادة نشرها بصيغ مختلفة، قبل الانتقال إلى مساحة صوتية تُناقش فيها القضية، و تُقتطع منها مقاطع قصيرة يعاد نشرها بكثافة، لتبدو وكأنها تعكس اهتماماً شعبياً واسعاً.
وتؤدي المساحات الصوتية في منصة X دوراً يتجاوز مجرد الحوار، ففي بعض الحالات تتحول إلى ما يشبه غرف التشغيل الإعلامي، حيث تُختبر السرديات، و تُوزع الأدوار، و يُدفع الجمهور إلى تبني زوايا محددة للنقاش، ثم يُعاد تدوير المخرجات في صورة تغريدات، و مقاطع قصيرة، بما يمنح الرواية عمراً أطول، و انتشاراً أوسع.
ولا يتوقف التأثير عند صناعة الوسوم، أو تضخيم الروايات، بل قد يمتد إلى الاغتيال المعنوي للأصوات الوطنية، فبدلاً من مناقشة الفكرة، يتحول التركيز إلى صاحبها، و يصبح الهدف إضعاف مصداقيته أمام الجمهور.
وقد يُلاحظ في بعض الحملات الرقمية تكرار أساليب مثل السخرية الشخصية، و التشكيك في النوايا، و اجتزاء العبارات من سياقها، و إعادة تدوير الاتهامات نفسها، و محاولة إلصاق أوصاف ثابتة بالمغرد الوطني، أو بمن يسعى إلى نشر الوعي داخل المساحات الصوتية، حتى يتحول النقاش من مناقشة المضمون إلى استنزاف الشخص نفسه.
وعندما تتكرر هذه الأساليب بصورة متزامنة من حسابات متعددة، فإن الأثر النفسي قد يتجاوز الشخص المستهدف، ليصل إلى بقية الأصوات الوطنية، فينشأ ما يمكن تسميته بـ “أثر الردع المعنوي”، حيث يتردد بعض المستخدمين في المشاركة، ليس لضعف حجتهم، بل خشية أن يصبحوا الهدف التالي لحملات التشويه.
وهنا تتحقق إحدى أهم غايات الحرب المعلوماتية، وهي تقليص مساحة الأصوات الفاعلة، دون الحاجة إلى إسكاتها تقنياً، إذ يكفي إشغالها بالدفاع عن نفسها، أو إنهاكها بسيل متواصل من الاتهامات، حتى يتراجع حضورها، و يضعف تأثيرها.
ولا يعني ذلك أن كل مساحة صوتية، أو كل حملة وسم، أو كل مجموعة حسابات متشابهة تعمل ضمن تنسيق منظم، فالنقد، و الاختلاف، و توافق الآراء أمور طبيعية في أي فضاء عام، لكن عندما تتكرر أنماط بعينها، مثل التطابق في المفردات، و التزامن في النشر، و الانتقال الجماعي بين الموضوعات، و الاعتماد على الحسابات نفسها في إعادة الترويج، فإن هذه المؤشرات تستحق القراءة، و التحليل، وإن كانت لا تكفي وحدها لإثبات وجود تنسيق.
ومن المهم هنا التمييز بين النقد المشروع، و النشاط العنقودي.
فالنقد الطبيعي يناقش قضية محددة، و يقبل الحوار، و قد ينتهي بانتهاء الموضوع، أما النشاط العنقودي فلا يرتبط غالباً بقضية بعينها، بل ينتقل باستمرار من ملف إلى آخر، مع بقاء الهدف واحداً، صناعة مناخ من التشكيك المستمر، و إبقاء حالة الجدل قائمة، و تحويل كل إنجاز إلى موضع نزاع، و كل قرار إلى مادة للطعن، و كل نجاح إلى مناسبة لإنتاج رواية مضادة.
وهنا يصبح الهدف الحقيقي ليس إقناع الجميع، بل إنهاك المجال العام، فالحملات الرقمية الحديثة تدرك أن تكرار الرسالة قد يكون أحياناً أكثر تأثيراً من قوتها، و أن الضجيج المتواصل قد يمنح الانطباع بوجود أغلبية، حتى لو كانت الأصوات الحقيقية محدودة.
ولذلك فإن التعامل مع هذا النوع من الحملات لا يكون بالدخول في مواجهة مع كل حساب، و لا بتحويل كل تغريدة إلى معركة، بل بفهم الآلية أولاً، فالحسابات قد تتغير، و الأسماء قد تختفي، لكن النمط يبقى هو نفسه.
ومن هنا تأتي أهمية تحليل الشبكات الرقمية، و رصد العلاقات بين الحسابات، و متابعة توقيتات النشر، و دراسة مسارات انتشار المحتوى، بدلاً من الاكتفاء بالنظر إلى كل حساب بمعزل عن الآخر، كما أن رفع مستوى الوعي الرقمي لدى المستخدمين يمثل خط الدفاع الأول، لأن الجمهور الذي يعرف كيف تُصنع الحملات أقل قابليةً للانجرار خلفها.
السعودية، بما تمثله من ثقل سياسي، واقتصادي، وديني، وإقليمي، ستظل محوراً للنقاش، و محل اهتمام، و أحياناً هدفاً لمحاولات التأثير، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود هذه الحملات، بل في القدرة على تمييز الرأي الطبيعي من الضجيج المصطنع، و النقد المشروع من محاولات صناعة الإدراك.
فالخلايا العنقودية الرقمية ليست مجرد مجموعة حسابات متشابهة، بل هي أسلوب في إدارة التأثير، يقوم على تضخيم الصوت، و إعادة تدوير الرسالة، و تشتيت الانتباه، و أحياناً استهداف الأشخاص بدلاً من أفكارهم، لإضعاف الأصوات المؤثرة، وتقليل حضورها في المجال العام.
لكن التاريخ الرقمي يثبت أن الوهم، مهما تضخم، يبقى وهماً، وأن الضجيج، مهما ارتفع، لا يتحول إلى حقيقة بمجرد تكراره، فالحقيقة لا تُقاس بعدد مرات إعادة نشرها، بل بما تستند إليه من دليل، ووعي، وقدرة على الصمود أمام حملات التشويه.

