أحمد السماري – كاتب وروائي وصاحب العديد من الإصدارات الأدبية
يُعدّ “الإسقاط الذاتي” من أكثر العوائق التي تربك الفهم النقدي وتشوّه عملية إنتاج المعرفة، وهو حالة ذهنية يقوم فيها القارئ أو الناقد بإلقاء منظومته القيمية، وأفكاره المسبقة، ومواقفه النفسية على النص، فيقرأ فيه ما يريد أن يجده، لا ما يقدمه النص فعليًا.
في هذه الحالة لا يعود النص موضوعًا للفحص والتحليل، وإنما يتحول إلى شاشةٍ يعرض عليها القارئ تصوراته الخاصة، فتضيع الحدود بين الدلالة الموضوعية والانطباع الشخصي.
وتبدأ المعرفة من سؤال: ماذا يقول النص؟ أما الإسقاط الذاتي فيبدأ بسؤال آخر: كيف أريد للنص أن يعزز ما أؤمن به؟ وهنا تكمن الأزمة،
فالقارئ الذي يدخل إلى النص محمّلًا بأحكام جاهزة غالبًا لا يقرأ ليكتشف، وإنما ليؤكد قناعاته.
وهذا يفضي إلى نوع من “المصادرة على المعنى”، حيث تُختطف الدلالات من سياقها، وتُعاد صياغتها بما يخدم رؤيةً مسبقة.
هذه الظاهرة موجودة في الأدب، وتمتد كذلك إلى السياسة، والتاريخ، والدين، والاجتماع.
وهناك عدة أسباب تفسر هذه الظاهرة، تبدأ بالانحياز التأكيدي، وهو ميل الإنسان إلى البحث عمّا يؤكد أفكاره، وتجاهل ما يناقضها. فعندما يقرأ شخص ذو موقف أيديولوجي نصًا سياسيًا، فإنه غالبًا يلتقط ما يدعم موقفه، ويتجاوز ما يربكه. ثانيًا: ضعف الأدوات التحليلية.
وحين يغيب المنهج، يحضر المزاج، فالقارئ الذي لا يمتلك أدوات القراءة النقدية يلجأ غالبًا إلى ذائقته الشخصية بوصفها مقياسًا ومعيارًا وحيدًا للحكم. وهناك أيضًا: التورط العاطفي، فبعض النصوص تمس قضايا الهوية، والانتماء، والذاكرة، فيصبح القارئ جزءًا من المعنى لا مراقبًا له، فتختلط القراءة بالدفاع النفسي.
نجد في الأدب أن قارئًا قد يقرأ رواية تتناول شخصية خائنة، فيظن أن الكاتب يمجّد الخيانة، مع أن النص قد يكون يقدّمها على أنها مأساة أخلاقية.
هنا حدث الخلط بين تمثيل الظاهرة وتبنيها، وهذه من أكثر صور الإسقاط شيوعًا.
ومثال ذلك ما حدث مع رواية Madame Bovary، حين اتُّهم كاتبها Gustave Flaubert بأنه يدعو إلى الانحلال، فقط لأنه كتب شخصية تعيش ذلك الانحلال، وأحيل إلى المحكمة في باريس عام 1857 بتهمة الإساءة إلى الأخلاق العامة.
وفي التاريخ، حين يقرأ باحث حدثًا تاريخيًا بعين الحاضر، فيدين شخصيات الماضي بمعايير لم تكن قائمة في زمنهم، وهذا ما يسمى أحيانًا بـ”استبداد الحاضر على الماضي”، فالتاريخ لا يُفهم إلا داخل شروطه.
وفي الخطاب الديني، قد يُقتطع نص من سياقه ليُحمَّل ما لا يحتمل، بناءً على موقف مسبق، فتتحول القراءة من اجتهاد إلى انتقاء.
وهنا نجد كيف يعطل الإسقاط الذاتي التقدم المعرفي؟
لأن المعرفة تتقدم بالتصحيح لا بالتأكيد، فإذا كانت كل قراءة مجرد إعادة إنتاج لما نؤمن به أصلًا، فلن نضيف شيئًا جديدًا.
والعلم نفسه قام على مبدأ مقاومة الإسقاط:
الملاحظة قبل الحكم. الدليل قبل الاستنتاج. والمنهج قبل الرأي.
أما حين يسود الإسقاط الذاتي، فإننا ننتقل من ثقافة البرهان إلى ثقافة الانطباع. وهنا تتعطل المراجعة، ويضعف النقد، وتصبح الأفكار مغلقة على نفسها.
أما كيف يمكننا التخلص منه؟
ربما لا يمكن التخلص منه تمامًا، لأن الإنسان يقرأ دائمًا من داخل خبرته، لكن يمكن تقليصه عبر:
•الفصل بين النص وموقفنا منه.
•احترام السياق.
•بناء الحكم على الشواهد.
•الاعتراف بإمكان الخطأ.
•التفريق بين التفسير والتأويل.
الإسقاط الذاتي خللٌ منهجي قد يحوّل الثقافة إلى دائرة مغلقة من التكرار والتأكيد الذاتي.
وكلما ارتفعت قدرة القارئ على مقاومة رغباته المسبقة، اقترب أكثر من المعرفة، فالقراءة الناضجة لا تبدأ من الذات، وإنما تمر بها نحو النص، ثم تعود منها إليه بفهمٍ أعمق وأعدل.
والفرق الجوهري بين القارئ الناضج والقارئ المنفعل هو أن الأول يسأل: ماذا يقول النص؟ بينما الثاني يسأل: كيف أجعل النص يقول ما أريد؟.

