أسدلت بريطانيا الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخها القضائي، بعد أن منح الملك تشارلز عفوًا مشروطًا عن روث إليس، آخر امرأة نُفذ فيها حكم الإعدام شنقًا في المملكة المتحدة.
القرار أعلنه ديفيد لامي، نائب رئيس الوزراء ووزير العدل، وفق صحيفة الغارديان البريطانية، وجاء بعد 71 عامًا من إعدام الشابة التي كانت تبلغ من العمر 28 عامًا، إثر إدانتها بقتل شريكها ديفيد بليكلي في عام 1955.
تكشفت الحقائق التي أثبتت اليوم أن إليس لم تكن «قاتلة بدم بارد» كما صُورت في محاكمتها، بل ضحية مسلوبة الإرادة لسلسلة مروعة من التعنيف الأسري والسيطرة القهرية التي دفعتها نحو الهاوية.
كيف يصحح العفو المشروط مسار التاريخ؟
يُقصد بـ «العفو المشروط» في العرف القانوني البريطاني تخفيف العقوبة وليس محو الإدانة بالكامل. وفي حالة روث إليس، تم استبدال عقوبة الإعدام بأثر رجعي لتصبح حكمًا بالسجن المؤبد في السجلات الرسمية.
هذا التعديل يمثل اعترافًا رسميًا بأن النظام القضائي آنذاك قد خذل إليس، حيث لو حوكمت في وقتنا الحاضر، لكانت هيئة المحلفين قد استمعت إلى دفوعات قانونية تتعلق بـ «فقدان السيطرة» أو «تضاؤل المسؤولية الجنائية» نتيجة الانهيار النفسي، وهي دفوع كان من شأنها تخفيف التهمة من القتل العمد إلى القتل شبه العمد.
الجحيم خلف الأبواب
خلف صورة الجريمة، عاشت إليس، وهي أم عزباء لطفلين، جحيمًا يوميًا مع شريكها ديفيد بليكلي، سائق سيارات السباق الذي التقت به في نادٍ ليلي كانت تديره.
تشير شهادات أصدقائها والأطباء إلى تعرضها لاعتداءات وحشية ومستمرة، حيث ضُربت في الأماكن العامة، ودُفعت من أعلى السلالم. وقد بلغت وحشية التعنيف حد تلقيها ضربة قوية أفقدتها السمع مؤقتًا، وتلقيها لكمة عنيفة في بطنها تسببت في إجهاض جنينها، فضلًا عن تهديدها المتكرر بالقتل، مما وضعها تحت ضغط نفسي مدمر قادها في النهاية إلى إطلاق النار عليه.
ثمن التجاهل القضائي
خلال المحاكمة التاريخية في عام 1955، أُهملت تمامًا الحالة النفسية المنهارة لروث إليس، ووجه القاضي هيئة المحلفين آنذاك بتجاهل حقيقة أنها تعرضت لمعاملة سيئة من قبل عشيقها، معتبرًا أن ذلك لا يمثل عذرًا قانونيًا.
لم يتدخل المشرع البريطاني لإدخال مفاهيم «نقص المسؤولية» و«فقدان السيطرة» ضمن قوانين الدفاع الجنائي إلا في عام 1957، أي بعد عامين من صعود إليس إلى منصة الإعدام، لتدفع حياتها ثمناً لقصور تشريعي وقضائي.
لعنة الأجيال المتعاقبة
لم يتوقف تأثير المشنقة عند جسد روث، بل امتد ليمزق عائلتها لعقود؛ إذ قاد أربعة من أحفادها معركة قانونية طويلة لاستصدار هذا العفو، مستندين إلى أن مسؤوليتها الجنائية تضاءلت بسبب الصدمات المتراكمة.
وفي هذا السياق، تصف حفيدتها لورا إنستون حجم المأساة قائلة إن «العفو لا يعيد الحياة لمن رحلوا، لكنه يؤكد رسميًا ونهائيًا أن روث لم يكن ينبغي إعدامها».
وتضيف لورا، التي نقلت عنها الغارديان، واصفةً حجم الدمار العائلي بأن خالها أقدم على الانتهاء من حياته هربًا من العار، بينما عجزت والدتها عن ممارسة أمومتها الطبيعية بسبب الصدمة، لتختم بعبارة قاطعة: «لقد حملنا عارًا لم يكن يومًا من نصيبنا».
وتبقى الكلمات الختامية لوزير العدل البريطاني بمثابة وثيقة اعتذار تاريخية، حين أقر بأنه لا يمكن تغيير ما حدث قبل 70 عامًا، لكن يمكن الاعتراف بأن هذه الحالة كانت استثنائية، آملًا أن يجلب هذا الإجراء بعض السلام لعائلة دفعت ضريبة باهظة لعمى العدالة المؤقت.

