تكشف أزمة الرحلات الجوية من مطار صنعاء جانبًا جديدًا من الدور التخريبي الذي تمارسه المليشيات الحوثية خدمةً للمشروع الإيراني، بعدما رفضت المبادرات الحكومية الرامية إلى استئناف الرحلات المدنية عبر شركة الخطوط الجوية اليمنية، وأصرت بدلًا من ذلك على فتح الأجواء أمام شركة «ماهان» الإيرانية، المرتبطة بعقوبات واتهامات دولية بدعم الحرس الثوري ونقل عناصر ومعدات عسكرية.
وبينما تواصل المليشيات الترويج لادعاءات تتهم الحكومة الشرعية بمنع اليمنيين من السفر، تؤكد الوقائع التي عرضها مجلس القيادة الرئاسي أن الحوثيين هم من عطلوا الناقل الوطني، واحتجزوا طائراته وأمواله، ورفضوا الضمانات المقترحة لإعادة تشغيل الرحلات بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمّان.
الحوثيون يعاقبون اليمنيين لإرضاء إيران
رفضت المليشيات الحوثية جميع المبادرات التي قدمتها الحكومة الشرعية لضمان استمرار الرحلات المدنية من مطار صنعاء عبر الخطوط الجوية اليمنية، رغم أن هذه المبادرات استهدفت تخفيف معاناة المواطنين وتسهيل انتقال المرضى والطلاب والمسافرين.
وبدلًا من التعامل مع الملف بوصفه قضية إنسانية، حوّله الحوثيون إلى وسيلة للابتزاز السياسي ومضاعفة معاناة السكان في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، في محاولة لفرض شركة إيرانية بديلًا عن الناقل الوطني اليمني.
وتؤكد الحكومة أن المليشيات احتجزت أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية عام 2024، ومنعتها من مغادرة مطار صنعاء، قبل أن تقود مغامراتها العسكرية إلى تدمير هذه الطائرات وإهدار جزء جديد من ممتلكات الشعب اليمني.
ولم تكتفِ المليشيات باحتجاز الطائرات، بل رفضت الإفراج عن أكثر من 120 مليون دولار من أموال شركة الخطوط اليمنية المحتجزة في صنعاء، وهي أموال كان يمكن استخدامها لشراء طائرات جديدة أو استئجارها واستعادة الرحلات المنتظمة.
وتكشف هذه الممارسات أن الحوثيين لا يبحثون عن فتح المطار لخدمة المواطنين، بل يريدون السيطرة على الشركة وإيراداتها، وتحويل الطيران المدني إلى أداة بيد قياداتهم ومصدر لتمويل مشروعهم المسلح.
تدمير «اليمنية» لإحلال «ماهان» الإيرانية
ترى الحكومة اليمنية أن إصرار الحوثيين على تعطيل الخطوط الجوية اليمنية يتزامن مع مخطط واضح لإحلال شركة «ماهان» الإيرانية محلها، وتدشين خط جوي بين صنعاء وطهران خارج إشراف مؤسسات الدولة اليمنية.
ويمثل هذا التوجه، وفق مجلس القيادة الرئاسي، محاولة لتحويل مطار صنعاء من منفذ مدني لخدمة اليمنيين إلى ممر جوي يخدم النفوذ الإيراني، ويتيح لطهران التواصل المباشر مع ذراعها المسلحة في اليمن بعيدًا عن القواعد القانونية والرقابة الرسمية.
ولم يعد خافيًا أن الحوثيين يقدمون المصالح الإيرانية على احتياجات اليمنيين؛ ففي الوقت الذي يعرقلون فيه سفر المواطنين إلى عمّان، يتمسكون بتسيير رحلات إلى طهران عبر شركة إيرانية تحيط بأنشطتها شبهات أمنية وعسكرية.
كما أن المليشيات التي تدعي الحرص على البنية التحتية تركت طائرات الخطوط اليمنية والموانئ والمنشآت المدنية عرضة للتدمير، بعدما أقحمت البلاد في صراعات إقليمية لا تخدم اليمن ولا القضية الفلسطينية، بل تحقق أهداف إيران في المنطقة.
«اليمنية» جاهزة.. والحوثيون يرفضون الضمانات
أكدت الحكومة الشرعية أن شركة الخطوط الجوية اليمنية جاهزة لاستئناف الرحلات التجارية من مطار صنعاء إلى عمّان، وإلى أي وجهات أخرى يتم الاتفاق عليها، متى توافرت ضمانات حقيقية لحماية الطائرات والأطقم.
وتشمل الضمانات المطلوبة عدم احتجاز الطائرات أو مصادرتها، وعدم تدخل الحوثيين في العمليات الملاحية أو الإدارية أو المالية للشركة، وترك الناقل الوطني يعمل وفق القوانين والأنظمة المنظمة للطيران المدني.
وقدمت الحكومة خيارات متعددة لمعالجة الأزمة، شملت شراء طائرات جديدة أو استئجارها أو التعاقد مع شركات طيران أخرى تحت مظلة الخطوط الجوية اليمنية، لكن المليشيات قابلت هذه الحلول بالتعنت والرفض.
ويفضح هذا الرفض الخطاب الحوثي الذي يحمّل الحكومة مسؤولية توقف الرحلات؛ فالمشكلة ليست في غياب الطائرات أو المبادرات، وإنما في إصرار الجماعة على السيطرة الكاملة على حركة الطيران وإيراداتها وتسخيرها لخدمة مشروعها.
لماذا ترفض الحكومة طائرة «ماهان»؟
رفض الحكومة الشرعية تسيير رحلة «ماهان» من طهران إلى صنعاء لإعادة الوفد الحوثي ليس إجراءً ضد المسافرين، وإنما موقف سيادي لمنع إيران من فرض خط جوي غير قانوني إلى الأراضي اليمنية.
وترى الحكومة أن الطلب الإيراني يمثل محاولة لتصحيح مخالفة سابقة، تمثلت في نقل وفد حوثي من صنعاء إلى إيران بتاريخ 3 يوليو 2026، دون المرور بالإجراءات القانونية المعتمدة، في انتهاك لسيادة الجمهورية اليمنية وقرارات مجلس الأمن.
كما ارتبط اسم «ماهان» خلال سنوات ماضية بعقوبات دولية واتهامات بتقديم خدمات لوجستية للحرس الثوري الإيراني، ما يجعل استخدامها في رحلات صنعاء محل مخاوف أمنية مشروعة، وليست مجرد قضية تجارية أو إنسانية.
وبحسب الحكومة اليمنية، قطعت الطائرة التي نقلت الوفد الحوثي إشارات التتبع عدة مرات أثناء عبورها الأجواء اليمنية، في سلوك يثير الشكوك بشأن طبيعة الرحلة وما كانت تحمله.
واتهمت السلطات اليمنية الرحلة بنقل ضباط ومستشارين من الحرس الثوري وعناصر من حزب الله، إلى جانب أسلحة وأجهزة اتصالات ومعدات مرتبطة بالطائرات المسيّرة والصواريخ وتقنيات التجسس.
وتظل هذه التفاصيل اتهامات رسمية تحتاج إلى تحقيقات وأدلة معلنة، لكنها تأتي ضمن سجل واسع من التقارير التي تربط الدعم الإيراني بتطوير القدرات العسكرية للحوثيين وإطالة أمد الحرب في اليمن.
بديل وطني لعودة الوفد الحوثي
لم تغلق الحكومة الباب أمام عودة الوفد الحوثي، بل ناقشت استئجار طائرة بواسطة الخطوط الجوية اليمنية لنقله من إيران، بما يحفظ السيادة اليمنية ويمنع استخدام شركة أجنبية مرتبطة بالمشروع الإيراني.
ويؤكد هذا البديل أن رفض «ماهان» لا يستهدف منع عودة الأفراد، وإنما وقف محاولات فرض أمر واقع يسمح لطهران بتسيير رحلات مباشرة إلى صنعاء خارج سلطة الدولة.
لكن الحوثيين يصرون على العودة عبر الشركة الإيرانية، وهو ما يعزز الشكوك في أن القضية تتجاوز نقل وفد سياسي، إلى محاولة تثبيت مسار جوي دائم بين طهران وصنعاء.
إيران تستخدم الحوثيين لتوسيع نفوذها
تتعامل إيران مع اليمن بوصفه ورقة ضغط في صراعاتها الإقليمية، فيما تنفذ المليشيات الحوثية أجندتها على حساب أمن اليمنيين واقتصادهم وحركتهم وحقهم في السفر.
فمنذ انقلابها على مؤسسات الدولة، عملت الجماعة على تحويل الموانئ والمطارات والمؤسسات الاقتصادية إلى أدوات لخدمة مشروعها المسلح، بينما تحمل المواطنين نتائج سياساتها ومغامراتها.
ويأتي الإصرار على تشغيل «ماهان» ضمن هذا النهج، إذ تسعى إيران إلى توسيع نفوذها المباشر داخل اليمن وتكريس وجودها العسكري والأمني تحت أغطية مدنية وإنسانية.
وحمل مجلس القيادة الرئاسي إيران والمليشيات الحوثية المسؤولية الكاملة عن تداعيات أي محاولات جديدة لانتهاك السيادة اليمنية أو فرض رحلات إيرانية خارج الأطر القانونية.
كما أكد أن الحكومة والقوات المسلحة ستتخذ الإجراءات السياسية والدبلوماسية والعسكرية التي يكفلها الدستور والقانون الدولي لمنع تحويل مطار صنعاء إلى بوابة مفتوحة للحرس الثوري وأذرعه في المنطقة.
الحوثيون مسؤولون عن استمرار معاناة المسافرين
تكشف أزمة مطار صنعاء أن الحوثيين هم الطرف الذي يعرقل الحلول العملية، بعدما رفضوا تشغيل الرحلات عبر الناقل الوطني واحتجزوا طائراته وأمواله، ثم حاولوا تحميل الحكومة مسؤولية النتائج.
فالحكومة أعلنت جاهزية «اليمنية»، وقدمت حلولًا بديلة، ووافقت على تشغيل رحلات من صنعاء إلى عمّان، لكنها اشترطت ضمانات طبيعية لحماية الطائرات والأطقم والأموال.
أما المليشيات فاختارت تعطيل الرحلات المدنية، والتمسك بشركة «ماهان»، وتقديم مصالح إيران على حقوق المواطنين اليمنيين.

