شهدت الأروقة التقنية والسياسية في الولايات المتحدة أزمة طاحنة خلال الأسابيع الماضية، أسفرت عن حجب أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي في العالم عن شبكة الإنترنت لمدة 20 يوماً.
واتسمت هذه المواجهة بين شركة «أنثروبيك» الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي والإدارة الأمريكية بصدامات شخصية، وحالة من الارتباك الصناعي، فضلاً عن ردود فعل دولية واسعة، قبل أن تعود النماذج للعمل مجدداً تاركةً أثراً طويل الأمد على مستقبل التقنية.
وبدأت كواليس الأزمة عندما دقت شركة «أمازون» -وهي شريك رئيسي ومستثمر في «أنثروبيك»- ناقوس الخطر بشأن مشكلة تقنية تُعرف باسم «كسر الحماية» تم اكتشافها في أحدث نماذج مختبر الذكاء الاصطناعي، وهما «ميثوس» و«فابل».
ويعني هذا الخلل التقني احتمالية فشل حواجز الأمان والقيود المفروضة على هذه النماذج، مما قد يؤدي إلى نتائج غير محسوبة.
وبمجرد أن أبلغت «أمازون» الإدارة الأمريكية بمخاوفها، سارعت الحكومة لفرض ضوابط تصدير شاملة، حيث أكد مسؤول أمريكي أن الحكومة أجرت اختباراتها الخاصة عندما بات واضحاً أن المشكلة تستدعي تدخلاً فورياً. ورغم ذلك، أشار خبراء في الأمن السيبراني لاحقاً، عبر رسالة مفتوحة، إلى أن نماذج ذكاء اصطناعي رائدة أخرى تعاني من ذات المشكلة التي حذرت منها «أمازون».
وفي 12 يونيو الماضي، وبتوجيه مباشر من الرئيس الأمريكي ترامب، أجرى وزير التجارة هوارد لوتنيك اتصالاً بالرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، داريو أمودي.
وأوضح لوتنيك بصرامة ضرورة حل المشكلة بشكل عاجل، محذراً إياه من أن الشركة ستتلقى خطاباً يفرض ضوابط تصدير واسعة النطاق.
وفي مساء ذلك اليوم، وبعد استلام الخطاب، أدرك أمودي أن هذا القرار يعني عملياً إيقاف النماذج عن العمل بالكامل، وهو ما أكده الوزير لوتنيك باعتباره الهدف الفعلي للإجراء.
أدى هذا القرار الحاسم إلى إطلاق دورة مكثفة استمرت ثلاثة أسابيع بمشاركة وكالات حكومية متعددة لضمان أمان الذكاء الاصطناعي.
ودفعت «أنثروبيك» بمهندسيها وخبرائها إلى العاصمة واشنطن لإثبات أن المشكلة قد تم حلها وأن التعديلات قيد التحسين، إلا أن المركز الفيدرالي لمعايير وابتكار الذكاء الاصطناعي، إلى جانب وكالة الأمن القومي، رفضا تلك التعديلات المبدئية، مما أجبر الشركة على إجراء إصلاحات أعمق وأكثر تعقيداً.
وبحلول الأول من يوليو، وافق رؤساء الوكالات المعنية تدريجياً على التغييرات النهائية، ليتم إطلاق النماذج مجدداً.
ولم تقتصر الأزمة على الجوانب الفنية؛ فقد كشفت مصادر مطلعة أن وزير الخزانة سكوت بيسنت كان أول من علم بمشكلة «كسر الحماية»، حيث سارع للعمل مع رئيسة موظفي البيت الأبيض، سوزي وايلز، لإعادة دمج الشركة المتعثرة في النقاشات، وساعد في إقرار أمر تنفيذي خاص بالأمن السيبراني.
وظهر بيسنت جنباً إلى جنب مع ترامب خلال قمة مجموعة السبع، حيث دعا الحلفاء إلى تعاون عالمي لتوحيد معايير الأمان.
ومع تزايد تعقيد النقاشات التقنية، تدخلت شخصيات بارزة مثل رئيسة السياسات في «أنثروبيك» سارة هيك، والمؤسس المشارك توم براون، الذي أجرى محادثات مكثفة مع لوتنيك ومدير الأمن السيبراني الوطني شون كيرنكروس.
وأتاح المستوى الفني العالي لبراون الجلوس مع المتخصصين الحكوميين لمراجعة كيفية استجابة النماذج تحت الضغط سطراً بسطر.
ولا يزال الغموض يكتنف موعد وكيفية إطلاق نماذج «أنثروبيك» للدول الحليفة – وهو أمر يعتبره المؤيدون حاسماً في سباق التفوق التقني أمام الصين.
وتترقب الصناعة كيف ستتعامل مختبرات أخرى، مثل «أوبن إيه آي» التي أوقفت نموذجها الأحدث GPT-5.6 مؤقتاً و«جوجل»، مع الإصدارات القادمة في ظل هذه المعايير الحكومية الصارمة الجديدة.

