د. سعود النداح
لن نبدأ هذه القصة من أولها، سنبدأ من مشهدها الأخير. في مجلس عائلي عادي، سأل أحدهم صاحبنا سؤالاً عابراً من النوع الذي يُسأل كل يوم، فإذا بالرجل الذي عرفه الجميع هادئاً ثلاثين سنة ينفجر انفجاراً لا يشبهه؛ صوت مرتفع، وكلام متراكم يخرج دفعة واحدة، وانسحاب حاد ترك المجلس في ذهول.
تفرق الحاضرون تلك الليلة على تفسيرين: قال بعضهم «تغيّر»، وقال آخرون «هذا معدنه طلع أخيراً»، وكلا الفريقين حكم على فيلم كامل من مشهده الأخير، فتعالوا نعيد الشريط إلى الوراء.
قبل سنة، وافق صاحبنا على استضافة مناسبة كان مرهقاً قبلها بأسبوع، وقال «لا عادي». قبل ثلاث سنوات، أقرض قريباً مبلغاً يعرف في قرارة نفسه أنه لن يعود، وقال «ولا يهمك».
قبل سبع، أُلغيت خطته الوحيدة للراحة من أجل التزام لغيره، فابتسم وقال «ما يحتاج تعتذر»، وقبل عشر سنوات، سمع في مجلس تعليقاً جارحاً عن نفسه، فضحك مع الضاحكين وأكمل السهرة، عشرات المشاهد من هذا النوع، وفي كل واحد منها كان يوقّع، من حيث لا يدري، على قرض جديد.
لأن المجاملة في جوهرها عملية اقتصادية قبل أن تكون خلقاً اجتماعياً؛ كل «لا عادي» تقولها وأنت منزعج تشتري بها رضا اللحظة بدين مؤجل تسدده راحتك القادمة، والقرض الواحد لا يثقل أحداً، لكن من يجامل في كل موقف يراكم ديوناً بفوائدها في مستودع لا يراه أحد، ولا يعلم بامتلائه حتى صاحبه.
والناس من حوله معذورون بشكل ما؛ فهم لم يطلعوا على الدفاتر، رأوا الابتسامة فظنوها رضا، وكرروا ما يفعلون بحسن نية، لأن ابتسامتك لما يزعجك تصدر لهم تسعيرة خاطئة لحدودك، ولا يملك أحد أن يحترم حداً لم يُعلن عنه.
وقد فرّق علماؤنا قديماً بين المداراة والمداهنة؛ فالمداراة أن تلين في القول دون أن تتنازل عن موقفك وهي حكمة محمودة، والمداهنة أن تبيع الموقف نفسه لتشتري الرضا، وفيها نزل قوله تعالى: ( ودوا لو تدهن فيدهنون). وصاحبنا ككثيرين منا، ظن نفسه طوال الطريق مدارياً وهو في الحقيقة كان يرهن ذاته علاقةً بعد علاقة.
والآن عودوا معي إلى المجلس. السؤال العابر لم يكن سبب الانفجار، كان موعد الاستحقاق؛ كلمة صغيرة وقعت على الرصيد المتراكم كله لا عليها وحدها، ولهذا بدت ردة الفعل أكبر من سببها بكثير.
والحاضرون الذين حكموا عليه ظلموه من حيث لا يعلمون، لأنهم حضروا الجلسة الأخيرة فقط من محاكمة استمرت ثلاثين سنة، لم يشهدوا مرافعاتها الصامتة ولا الأحكام الصغيرة التي كان يبتلعها وحده.
وما كان لهذه القصة أن تصل إلى مشهدها الأخير لو عرف صاحبنا أن السداد يكون أولاً بأول فجملة صادقة هادئة مثل «هذا يضايقني» تقال في حينها أرخص ألف مرة من انفجار ساخن بعد عقود، والعتاب المبكر ليس تعكيراً للصفو كما نظن، هو صيانة دورية تمنع العطل الكبير.
راقب العلاقات التي عاشت طويلاً بصحة جيدة تجد أصحابها يتعاتبون ويصارحون أولاً بأول، أما العلاقات التي «ما صار بينها شي أبداً» فكثيراً ما تنتهي فجأة وبلا رجعة.
إن الذي انفجر في ذلك المجلس لم يكن قاسياً كما بدا، كان مفلساً؛ أنفق ثلاثين سنة يشتري رضا من حوله بالدَّين، حتى جاءت ليلة لم يجد في حسابه ما يجامل به. وأطيب الناس قلباً ليسوا الذين لا يغضبون أبداً، هم الذين يسددون غضبهم بالتقسيط الصغير قبل أن يتحول إلى دين لا يُقضى إلا بالقطيعة.

