عبدالجبار الخليوي – روائي وكاتب أدبي
كان للبيوت الطينية في الماضي روحًا لا تُشبهها روح؛ وكانت تفاصيل الحياة اليومية تُبنى على الفطرة ومراقبة حركة الشمس أكثر مما تُبنى على الساعات والمواعيد؛ فلم يعتاد بعض كبار السن الجلوس في المقاهي؛ ولم تكن مجالسهم تُختار عشوائيًا؛ بل كان بعض الرجال يعرفون أين يجلسون في كل وقت من اليوم؛ حتى صار لديهم للمشرق مجلس؛ وللمغرب مجلس آخر.
مثلاً في الصباح كان كبار السن يبحثون عن (المشراق)؛ وهو المجلس الذي تستقبله أشعة الشمس مع أول النهار؛ يجلسون فيه طلبًا للدفء؛ خاصة في أيام الشتاء الباردة؛ فتتسلل أشعة الشمس إلى أجسادهم قبل أن تتسلل إلى أرجاء البيوت.
وفي المشراق تدور الأحاديث الودية وأخبار السوق والمجتمع؛ وتسمع آخر الأخبار بصورة عامة؛ عمّا يدور في البلدة أو في خارجها؛ وربما تسمع من يقول مفتخراً:
– قال أبولندن كذا وكذا.. إلى آخره من خبر سمعه في ليلة البارحة قبل نومه.
وربما تُناقش شؤون الزراعة والتجارة وأحوال الناس؛ بينما تمتد الشمس شيئًا فشيئًا في الأزقة وبين البيوت الطينية.
ومع انتقال الشمس نحو الغرب؛ ينتقل رواد هذا المجلس إلى (المغراب)؛ حيث تستقبل الجلسة آخر دفء النهار؛ وفي الشتاء يكون هذا المجلس امتدادًا للأنس قبل أن يحل برد المساء؛ أما في الصيف فتختلف الحكاية كلياً؛ إذ يصبح الظل هو المقصود نهارًا؛ ويكون مجلس (المغراب) أجمل مع اقتراب غروب الشمس؛ حين تلين حرارة الشمس وتهب النسمات؛ فتعود المجالس إلى نشاطها حتى يؤذن المغرب.
لقد فرضت الفصول الأربعة لحن إيقاعها على حياة الناس بصورة عامة؛ ففي الشتاء كانوا يطلبون الشمس بحماس حيثما كانت؛ يتتبعون دفأها من (المشراق) إلى (المغراب)؛ أما في الصيف فكانوا يفرون من لهيب حرها في ساعات النهار؛ ثم يستأنسون بها عند ضعف وهجها في آخر ساعات اليوم، وهكذا أصبحت حركة الشمس جزءًا مهماً من نظام الحياة في البلدة في أيام غياب المكيفات؛ لا مجرد ظاهرة طبيعية.
ولم تكن مثل هذه المجالس الاجتماعية أماكن للجلوس وقضاء الوقت فحسب؛ بل كانت مدارس اجتماعية؛ تُبنى فيها العلاقات؛ وربما تُحل فيها الخلافات؛ وقد تُروى فيها القصص؛ وربما يتعلم فيها الصغار من الكبار.
كان اختيار مكان المجلس يعكس فهمًا عميقًا ودقيقاً للبيئة؛ وقدرةً على التكيف مع المناخ بأبسط الوسائل؛ دون حاجة إلى وسائل التدفئة أو التكييف الحديثة.
وبين (المشراق والمغراب) كانت حياة كاملة تمضي بكل هدوء؛ تُنظمها الشمس؛ ويزينها الاجتماع؛ ويملؤها دفء المكان وألفة الجيران، إنها صورة من صور الماضي؛ تحمل في طياتها درسًا في بساطة العيش؛ وحسن استثمار البيئة؛ حين كان الإنسان يصادق الطبيعة بكل صورها؛ ويجعل من حركتها جزءًا من تفاصيل يومه وحياته.

