نسجت البيوت الطينية القديمة في مركز ثول شمال محافظة جدة، بجدرانها السمراء وأسقفها المستندة إلى جذوع الأثل والنخيل، إرثًا عمرانيًا تجاوز حدود الزمان والمكان، لتبقى شاهدًا على قرون من الحياة البحرية، وتحمل بين تفاصيلها ذاكرة أجيال عاشت على إيقاع البحر، وشيدت من الطين والحجر والخشب موروثًا معماريًا يعكس أصالة الإنسان وقدرته على التكيف مع البيئة وصناعة الجمال من أبسط الموارد.
وعلى امتداد أزقة البلدة القديمة، لا تزال هذه البيوت شامخة رغم ما تركته السنوات على جدرانها من تشققات، وكأنها تتحدى الزمن، محافظة على ملامحها التي صنعتها أيادي البنّائين المهرة، لتبقى سجلًا مفتوحًا يروي تاريخ قرية ارتبطت بالبحر الأحمر، واتخذت من الصيد والتجارة والملاحة أسلوبًا للحياة.
وتكشف مكونات هذه المباني عن عبقرية العمارة التقليدية في الساحل الغربي للمملكة، إذ شُيدت الجدران من الطين المدكوك الممزوج بالحصى البحرية، فيما ارتكزت الأسقف على جذوع الأشجار وسعف النخيل، في تصميم يجمع بين البساطة والكفاءة، ويوفر عزلًا طبيعيًا يتناسب مع البيئة الساحلية، ويعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المناخ قبل ظهور تقنيات البناء الحديثة.
كما تعكس البيوت الطينية في ثول جانبًا مهمًا من الهوية العمرانية للمجتمعات الساحلية في المملكة، إذ لم تكن مجرد مساكن، بل فضاءات اجتماعية احتضنت تفاصيل الحياة اليومية، وشكلت جزءًا من النسيج الثقافي والاقتصادي للقرية، في فترة ازدهرت فيها ثول بوصفها إحدى أبرز المحطات الساحلية على البحر الأحمر.
وتجسد البيوت الطينية القديمة في ثول نموذجًا أصيلًا للعمارة الساحلية التقليدية، حيث تتناغم الجدران الطينية مع جذوع الأشجار والأسقف المصنوعة من سعف النخيل، في مشهد يحفظ ذاكرة قرية بحرية عريقة، ويعكس ارتباط الإنسان ببيئته عبر قرون من التاريخ.
ولا تزال البيوت الطينية القديمة في ثول تحتفظ بقيمتها التاريخية والمعمارية، بوصفها شاهدًا حيًا على مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة، وموردًا ثقافيًا يستحق التوثيق والحماية، بما يسهم في تعزيز السياحة الثقافية وصون التراث العمراني، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى المحافظة على الهوية الوطنية واستثمار المواقع التاريخية.

