بين وعود الوفرة المطلقة وواقع الإجهاد البشري المكتوم، تتبدد سريعًا أوهام الآلة الكاملة لتكشف عن وجه مأزوم تفرضه تقنيات الذكاء الاصطناعي وسوق العمل اليوم.
ففي تسعينيات القرن الماضي، روج مدير وكالة «ناسا» الأسبق دانيال غولدين لشعار براق في قطاع الأعمال، مفاده أن التطوير التقني يهدف لتقديم منتجات أسرع وأفضل وأرخص ثمنًا.
ورغم نجاح تلك الإستراتيجية نسبيًا في صناعات الفضاء، فإن مروجي التقنيات يطرحون اليوم الوعود ذاتها، زاعمين أن تقليص التدخل الإنساني سيقود البشرية نحو وفرة تقضي على الأمراض والأعمال الشاقة وتتيح للمجتمعات التفرغ للإبداع، إلا أن مجريات التاريخ تكشف عن مسارات مغايرة تمامًا لما تروج له المنصات الدعائية.
وطأة «التايلورية» الرقمية وتمدد الذكاء الاصطناعي
تستعيد الذاكرة التاريخية مرحلة الثورة الصناعية الثانية حين بدأت الآلات في رفع معدلات الإنتاج، حيث شجع كتاب «مبادئ الإدارة العلمية» للمهندس الأمريكي فريدريك وينسلو تايلور، الشركات على فرض الرقابة لزيادة وتيرة عمل الموظفين وساعات إنتاجهم.
أدى هذا النهج إلى إنهاك العاملين وإحباطهم، فضلاً عن نقل المعارف والقرارات السيادية من العمال إلى الإدارات العليا، مع حصر الأرباح في يد فئة قليلة في القمة، وهو نظام لا يزال يمثل ركيزة للنشاط الاقتصادي الأمريكي.
واليوم، يتمدد أثر الذكاء الاصطناعي وسوق العمل ليصيغ واقعًا مشابهًا؛ إذ يتسبب التدقيق البشري الصارم للمقالات العلمية المولدة آليًّا في خلق اختناقات رقابية كبرى تسعى عبرها دور النشر لحماية موثوقية السجل الأكاديمي، ما يستهلك جهدًا بشريًّا مضاعفًا يجعل العملية برمتها أبطأ وأكثر تكلفة.
ثغرات النماذج اللغوية وهشاشة النتائج المهنية
أحدثت قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على التنبؤ ببنية البروتينات وتسريع اكتشاف المواد المبتكرة ثورة علمية حقيقية، وباتت البرمجيات قادرة على إدارة جوانب متعددة من تصميم البحوث وتحليلها، غير أن تلك الطفرة تحمل وجهًا مظلمًا يمس حركة الذكاء الاصطناعي المتخصص.
وتشير ورقة بحثية حديثة إلى أن هذه النماذج «لا تزال تعاني من ضعف واضح في المجالات التي تتطلب أحكامًا سريرية دقيقة، أو تفكيرًا تجريبيًّا، أو تحليلًا بيولوجيًّا عميقًا وتخليقيًا»، وفقا لما نشرته مجلة «ساينس» العلمية.
علاوة على ذلك، تبين أن بعض هذه البرمجيات تظهر ميلًا يفوق البشر في ارتكاب ممارسات تصنف ضمن المخالفات العلمية، مثل الانتقائية في عرض البيانات والتلاعب بالتحليلات الإحصائية لبلوغ نتائج محددة سلفًا.
وعند صياغة الأوراق البحثية عبر هذه النماذج، تزداد احتمالات وقوع الأخطاء، بما في ذلك اختلاق مراجع وهمية تسلل بعضها بالفعل إلى ثنايا المؤلفات المنشورة.
معضلات الرقابة في سوق العمل
تسهم هذه المعطيات في تعقيد مسار العمل داخل الدوريات الأكاديمية، نظير الارتفاع المتزايد في معدلات تقديم البحوث الناتجة عن تسريع عمليات الصياغة والتحضير تقنيًا.
ومع زيادة حجم الأخطاء الناتجة عن المعالجة الآلية، يتضاعف الاحتياج إلى إشراف بشري مكثف للتثبت من النتائج.
ورغم توفر برمجيات آلية للمساعدة في رصد التجاوزات مثل الاقتباسات المفبركة والعبارات الركيكة، فإن كل تقرير آلي يتطلب مجهودًا بشريًا لتفسيره والتواصل مع المؤلفين لمعالجة الخلل أو اتخاذ قرار برفض النشر كليًا.
يسري هذا الأمر كذلك على أدوات التفتيش الخاصة بفحص التلاعب بالصور الرقمية، والانتحال العلمي، وتوثيق المراجع؛ إذ تعجز هذه الأدوات عن رصد كافة الأخطاء، بل وقد تسجل إنذارات خاطئة تصنف بحوثًا بشرية أصيلة على أنها مصنوعة آليًا.
وقد باتت صياغة محتوى علمي رصين وموثق بأيدي الخبراء، ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى؛ نظراً لأن تفشي المواد الرديئة المصنعة تقنيًا على شبكة الإنترنت يضعف الثقة العامة في العلوم.
وفي المقابل، يستمر حماس المروجين للتقنية في إشاعة انطباعات واهمة مفادها سهولة أتمتة الحلول وقدرة المؤسسات على كشف الأخطاء بفاعلية واقتصادية كبرى، وهو ما يخالف الواقع الفعلي والمستقبلي لقطاع النشر.
وتشهد قطاعات أخرى، مثل مستودعات التخزين وشحن البضائع بالمركبات، تحديات مماثلة تفرضها أدوات الرقابة التقنية في مواجهة الحاجة لجهود بشرية مكثفة.
وفي حال أخفقت الأوساط المهنية في تحجيم هذا التغلغل، فإن مسيرة البحوث الأصيلة والنتائج المعتمدة ستتباطأ لتتحول إلى قطرات شحيحة وعالية الكلفة ضمن المعرفة الإنسانية، ما يفسح المجال للأخبار الزائفة والمفبركة لتتصدر المشهد كحقائق، بينما يجني المستثمرون أرباحًا طائلة.

