محمد الرساسمة
في صناعة الإعلام، هناك معركة لا تعلن في مجالس الإدارة، لكنها ترسم مستقبل المؤسسات، وليست معركة بين الربح والخسارة، بل بين من يرى المشروع في تقرير مالي، ومن يراه إرثاً يتشكل عبر الزمن. وكلا الطرفين يؤدي دوره، لكن الخلل يبدأ عندما يصبح أحدهما الصوت الوحيد على الطاولة.
الربحية ضرورة، ولا يمكن لأي مؤسسة أن تستمر دون نموذج أعمال مستدام، غير أن الإعلام ليس كأي صناعة؛ فهو لا يبيع منتجاً فقط، بل يبني ذاكرة، ويشكل وعياً، ويؤسس هوية، ويصنع قوة ناعمة للدولة. لذلك فإن قيمة بعض المشاريع لا تقاس بما تحققه في نهاية الربع المالي، بل بما تتركه في الذاكرة الوطنية بعد عقدين من الزمن.
قد يظن البعض أن أزمة الصحف انتهت بانتهاء عصر الورق، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل نتعامل مع المنصات الإعلامية الجديدة بالعقلية ذاتها؟ وهل نكرر الأخطاء المؤسسية نفسها، ولكن داخل أدوات أكثر حداثة؟
الأخطر من خسارة مشروع إعلامي رائد، ليس توقفه بحد ذاته، بل خسارة المنظومة التي صنعته. فالمشروعات الكبرى لا تقوم على العلامة التجارية وحدها، وإنما على تراكم الخبرات، وتكوين فرق محلية، وبناء ذاكرة إعلامية سعودية تتشكل عاماً بعد عام. هذه الذاكرة ليست أرشيفاً، بل رأس مال معرفي يتكون من فهم المجتمع، وإدراك تحولات المشهد، والقدرة على إنتاج رواية اتصالية نابعة من عمق الثقافة السعودية، لا من قوالب جاهزة قابلة للاستنساخ.
وعندما تتسرب هذه الكفاءات، لا تخسر المؤسسة مشروعاً واحداً، بل تخسر مدرسة في صناعة المحتوى، وتخسر بيئة كانت قادرة على إنتاج أجيال جديدة تحمل الهوية نفسها وتطورها. بعدها تبدأ دورة جديدة من إعادة الهيكلة، وإعادة تعريف مؤشرات النجاح، وإطلاق استراتيجيات جديدة، بينما يبقى السؤال الحقيقي.. كيف يمكن استعادة الذاكرة التي غادرت مع صناعها؟
المشكلة ليست في الشركة المستثمرة، ولا في الرئيس التنفيذي، ولا في المدير المالي. المشكلة حين تتحول مؤشرات الأداء إلى البوصلة الوحيدة، ويصبح السؤال كم حققنا؟ قبل أن يكون ماذا بنينا؟ عندها يغادر صناع الفكرة، ويبقى من يجيد إدارة المنتج، ويتحول المشروع تدريجياً من مدرسة تصنع أثراً إلى علامة تجارية تبحث عن نمو سريع، بينما تتآكل مقومات الاستدامة في صمت.
لا تحتاج المشاريع الإعلامية الكبرى إلى مستثمر يؤمن بالأرقام فقط، ولا إلى صانع محتوى يؤمن بالفكرة فقط، بل إلى حوكمة تدرك أن بعض الأصول لا تظهر في القوائم المالية. فالذاكرة الإعلامية، والكوادر الوطنية، والثقافة المؤسسية، ليست مصروفات تشغيلية يمكن تعويضها، بل أصول استراتيجية لا تحميها إلا رؤية تتجاوز دورة الأرباح السنوية، والاستثمار الحقيقي في الإعلام لا يبدأ بشراء المنصات، بل بالحفاظ على العقول التي صنعت قيمتها.
التاريخ الإعلامي لا يتذكر أكثر المشاريع ربحية، بل يتذكر المشاريع التي غيرت شكل الصناعة، وأنتجت كوادر وطنية، وصنعت ذاكرة، وأسست مشهداً جديداً. فالقوة الناعمة لا تقاس بقائمة الدخل، بل بقدرتها على تشكيل الوعي، وصناعة الانتماء، وبناء صورة الوطن في الداخل والخارج.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس كم ربحنا هذا العام بل ماذا سيبقى منا بعد عشرين عاماً؟ لأن خسارة مشروع إعلامي ليست خسارة محتوى فقط، بل قد تكون خسارة جزء من الذاكرة الإعلامية السعودية المتراكمة، وخسارة لفرصة كان يمكن أن تصنع جيلاً جديداً من المبدعين، يحمل رواية وطنه بلغته، وثقافته، وروحه.

