إلغاء المتابعة

أدرك جيداً أن قرار إلغاء المتابعة هو قرار شخصي، ويعود بشكل مباشر لمحتوى ومستوى الأشخاص الذين نتابعهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ولذلك فقد قررت بعد طول مدة أن ألغى متابعة بعض الأشخاص الذين انكشف لي تحيزهم الواضح تجاه وضد بعض القضايا التي كنا نخالهم منصفين في الحكم عليها.

وبعد أن سقطت الأقنعة وانكشفت الوجوه القبيحة التي كانوا يخفونها عنا في السنوات الماضية، ناهيكم عن خطورة الترويج لبعض الأفكار الهدامة التي قام بها بعض المؤثرين دون مراعاة لتقسيمات المجتمع ونواميسه.

إن الدخول في معمعة مواقع التواصل الاجتماعي والاندماج في هذا العالم المليء بالتناقضات والأفكار والأحداث يتطلب في كثير من الأحيان المشاركة بالتعليق أو الرد، وهذا أمر خطير يشابه المشي فوق حقل من الألغام، وتكمن خطورة هذا الأمر في أن صانع المحتوى سواءً كان كاتباً أو إعلامياً أو مسؤولًا أو أياً يكن، عندما يدلف إلى مواقع التواصل الاجتماعي فهو يتنازل عن جزء كبير من هيبته، ويصبح متاحاً للجميع، وربما يكون أداةً يتم استغلالها من قبل البعض بغرض الترويج لما يطرحون.

وفي أحيان كثيرة يحدث ذلك، فعندما يتعمد الكاتب الزج ببعض آرائه الغريبة التي لا يستطيع كتابتها في مقالاته أو مؤلفاته، ثم يبقى ذلك الرأي وما حمله من ردود أفعال وتراكمات؛ وصماً على جبين ذلك الكاتب، يستدعونه متى ما أرادوا الانتقاص والسخرية منه ويغضون الطرف عنه متى ما أرادوا.

إنني أكبر في بعض الكتاب المميزين عدم دخولهم في مواقع التواصل الاجتماعي واكتفائهم بزواياهم وأعمدتهم ومؤلفاتهم التي يطرحون آرائهم من خلالها، غير مجبرين على المشاركة في أغلب القضايا وتحمل أسية الانحياز معها أو ضدها، وغير مهتمين بهذه التقنية التي أصبحت الشغل الشاغل لكثير من الناس ولا بالمشاركة فيها، ورغم فوائدها الجمة إلا أنها أصبحت وبالاً على كثير من الناس نتيجة سوء استخدامهم لها.

يقول الروائي والأديب الروسي مكسيم غوركي: ليس من المستحسن أن يكون للكاتب كثير من المعجبين، فذلك الكم الهائل من المعجبين سيجعلك بالضرورة تنزلق بغير إرادتك مجاملةً لهم ورغبةً في التواصل معهم، “ورب كلمة قالت لصاحبها دعني”.

في النهاية يجب على الكثير من المؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي مراجعة حساباتهم جيدًا، فالوقت الذي يقضونه على تصفح مواقع التواصل الاجتماعي لهو وقت مهدر ولا يتواءم مع شخصية الكاتب وأطروحاته الرامية في مجملها للترفع عن توافه الأمور والحرص على الاستفادة من كل ثانية ودقيقة وساعة في حياته والكتاب خصوصاً إن لم يكن لديهم القدرة على التحكم في أوقاتهم وتوزيعها كما يجب؛ فإنهم بذلك يسقطون سقوطاً مدوياً في وحل مواقع التواصل، فيتلطخ محتواهم ويحتاجون لزمن طويل حتى يعودون كما كانوا أنقياء وربما لن يعودوا كذلك.