خاص – الوئام
لم تعد الحرب التجارية بين واشنطن وبكين صراع أرقام وجداول، بل تحولت إلى ما يشبه الانفجار المدوي في قلب العلاقات الدولية.
ترمب، بعناده المعهود، لم يكتف بإعادة فتح جبهة الرسوم، بالزيادة الجمركية المفاجئة بنسبة 34%، بل يُعد الأمر إعلانًا ضمنيًا بأن قواعد اللعبة قد تغيرت وأن زمن “التعايش الاقتصادي” ربما شارف على نهايته.
ارتباك مفاجئ
داخل أروقة الحكم في بكين، خيّم الصمت، لا كعلامة رضا، بل كارتباك مفاجئ. فقد اختفت تلك النبرة الواثقة التي اعتاد عليها المراقبون في تفاعلات الصين مع إدارة بايدن؛ صدمة حقيقية اجتاحت مراكز صنع القرار، حيث بدا أن الإجراءات الأخيرة تجاوزت كل خطوط التوقع.
وحتى عندما فرض ترمب في فترته الأولى رسومًا بنسبة 10% في جولتين، لم تظهر بكين رد فعل غاضبًا، بل تمسّكت بسياسة الرد الهادئ. إلا أن هذه الزيادة المفاجئة بنسبة 34% أربكت التوازن، وزادت من الشعور بأن هناك تحولًا جوهريًا في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين.
انفصال استراتيجي
تشير وول ستريت جورنال الأمريكية إلى أن تصريحات تشاد باون، الباحث البارز في معهد بيترسون، أوضحت أن متوسط الضرائب الأمريكية على المنتجات الصينية أصبح الآن أكثر من 20 ضعفًا مما كان عليه قبل حرب 2018 التجارية. هذا الرقم ليس عبثيًا، بل يعكس توجّهًا نحو انفصال اقتصادي شامل بين القوتين.
وصف اقتصاديون في بكين الوضع بـ”الانفصال الاستراتيجي”، مستخدمين المصطلح ذاته الذي صاغه روبرت لايتهايزر، كبير مفاوضي ترمب التجاريين في ولايته الأولى، لكن السؤال الملح الآن: كيف يمكن لطرفين الدخول في مفاوضات في ظل هذا الكم من العداء الجمركي؟
انعدام قنوات التواصل
غياب قنوات التواصل بين واشنطن وبكين يزيد الأمر تعقيدا. فالحوار، الذي كان الوسيلة الوحيدة لكبح جماح التصعيد، بات مفقودًا، أو على الأقل متقطعًا بلا نتائج تُذكر. في هذا الفراغ السياسي، لا يجد الطرفان سوى الترقب وتبادل الرسائل الضمنية.

وفي وقت كانت تُعقد فيه الآمال على نوع من التفاهم أو حتى تجميد للمواجهة، جاءت الرسوم الجديدة لتقلب المعادلة بالكامل، وتزرع الشك في إمكانية التوصل لأي حل سياسي قريب.
معادلة معقدة
يرى المستشارون الاقتصاديون في بكين بأن الرد على التصعيد الأمريكي ليس مهمة سهلة. فهم يواجهون معادلة معقدة لأنه لا يُمكن الرد دون التسبب في تفكك العلاقات، وفي الوقت نفسه، كيف يمكن السكوت دون خسارة هيبة الدولة ومصالحها الاقتصادية.
القرارات داخل النظام الصيني تمر الآن بمرحلة من التردد. هناك من يدعو للرد الصارم، وآخرون يرون أن الصبر الاستراتيجي قد يكون أقل كلفة على المدى البعيد، خاصة في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي المحلي.
ارتباك الاقتصاد العالمي
إن انفصالاً تجاريًا كاملًا بين الصين والولايات المتحدة لن يؤذي الطرفين فقط، بل سيزلزل النظام الاقتصادي العالمي برمّته. فالمصانع، وسلاسل التوريد، وأسواق الأسهم، وحتى الأسعار في المتاجر، كلها باتت على المحك.قد يكون من السهل فرض
رسوم جمركية، لكن تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية عابرة للقارات. والمثير للقلق أن هذا الصراع بدأ يتحول من ملف تجاري إلى ورقة ضغط سياسية في الانتخابات، ما يعني أن المنطق الاقتصادي قد لا يكون هو الحاكم في المرحلة القادمة.
خيارات محدودة وردود معقّدة
تبدو خيارات بكين محدودة للغاية. فالتصعيد المباشر قد يؤدي إلى تسريع الانفصال الكامل، في حين أن التهدئة قد تفسر كضعف سياسي داخليًا.
وهنا تكمن المعضلة، لا مفر من الرد، ولا مساحة للتهدئة من دون ضمانات؛ بكين لا تزال تدرس خطواتها بعناية، ولكن يبدو أن عهد إدارة الأزمات بهدوء قد شارف على نهايته. ومع دخول السياسة على خط الاقتصاد، فإن القادم قد يكون أكثر اضطرابًا.

