بندر بن عبدالله بن محمد
سمعت الكثير من الأقوال في مفهوم المجتمع الذي أعتقد أنه خاطئ لكلمتين أتت في القرآن الكريم، وقلت لنفسي لماذا لا أكتب في ذلك لعل الله يجعل ما كتبته بداية للتفكر، قال الله تعالى في كتابه (وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأنعام ١٥٥، وقال الله تعالى كذلك (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ص ٢٩، فعملت بما وجّهني به الله في كتابه وبما آتانا به رسوله محمد ﷺ من سنته الفعلية، خفت من قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) البقرة ١٥٩، وفي نيتي من هذا المقال شيء واحد، هو عفو الله لي ولكم إن أخطأت فأرجو المسامحة من الله، وإن أصبت فالحمد لله على كل حال.
ولا أريد لمن تمسكوا بقول “خل بينك وبين النار مطوع” طريقة يمشون بها!
كتبت هذا المقال لقول الله تعالى (لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ) المجادلة ٢٢.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) البقرة ١٧٠.
لندخل في لب الموضوع، الكلمتان التي تدبرت بعلمي لها هي (النشوز) و (الضرب) ولنبدأ باسم الله.
كثيراً ما يُفهم “النشوز” في القرآن على أنه التمرد أو التكبر، لكن عند التأمل اللغوي والسياقي، يظهر أن “النشوز” قد يدل على الالتصاق أو القرب غير المرغوب فيه، لا على الارتفاع أو التمرد.
قال تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء ١٢٨، كلمة “أو” هنا تفيد التخيير، لا الجمع، ما يعني أن “النشوز” و”الإعراض” حالتان متضادتان، لا متشابهتان، فلو كان النشوز هو الابتعاد أو الجفاء كما يُقال، لما جاز التخيير بينه وبين الإعراض! لأنهما يشيران إلى ذات المعنى.
أما إذا فُهم النشوز على أنه اقتراب زائد أو التصاق مزعج من الزوج دون مراعاة أو احترام، مثل؛ أين أنت أو هات تلفونك أتصفحه…إلى آخره.
أصبح المعنى أكثر اتساقاً وسياق الآية أكثر منطقية، والتثبيت ذلك، تأييد هذا المعنى بالقرآن في قوله تعالى (….وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة ٢٥٩، “ننشزها” هنا لا تعني نفرقها أو نرفعها، بل نركبها ونضمٌ بعضها إلى بعض، وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) المجادلة ١١، أي تحركوا وتهيؤوا لتوسعة المجلس، لا انصرفوا وابتعدوا.
ومن هذا الفهم يتّضح أن قول الله تعالى (….وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) النساء ٣٤، من هذه الآية يتضح لنا أنها لا تعني تمرد المرأة على الرجل، بل مبالغتها في التعلق أو التصاقها غير المنضبط به، بما يتعدى حدود الأدب أو يؤذي التوازن في العلاقة، هنا يأتي دور التوجيه الإلهي بتأديب ذلك التصرف عبر التدرج:
ـ الوعظ.
ـ ثم الهجر في المضاجع
ثم “الضرب” وهنا نأتي إلى المعنى الحقيقي لهذه الكلمة.
الضرب كما تدبرته في القرآن؛ تفريق لا تعنيف
كلمة “الضرب” كثيراً ما أُسيء فهمها على أنها تعني العقاب البدني! ولكن بالنظر إلي استخداماتها في القرآن، نجد أن أصل معناها هو التفريق أو الإبعاد لا الإيذاء.
مثال ذلك، قوله تعالى (ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ…) الزمر ٢٩، وقول الله (……وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور ٣١.
في الأولى “ضرب المثل” أي فصّله وبيّنه، وفي الثانية “يضربن بأرجلهن” أي يتحركن حركة تُظهر ما يُخفى.
فكلمة “ضرب” تدل على حركة تُحدث فصلاً أو إظهار أو تمييز، من هنا فإن “واضربوهن” لا تعني إيذاء الجسم، بل تعني التفريق العملي أو الانفصال المؤقت الذي يُشعرها بخطاها، فالآية تتدرج من التوجيه، إلى الابتعاد العاطفي، إلى التفريق المكاني، لا إلى العنف.
هذا ما أردت أن أبرىء نفسي ليوم أقف لحالي أمام الله سبحانه وتعالى، والله أعلم.
