أحمد السماري – الأديب وصاحب العديد من الإصدارات الأدبية
في المشهد الثقافي السعودي المتنامي بوتيرة متسارعة، يبرز الإعلام بوصفه شريكًا لا غنى عنه في تشكيل الذائقة المجتمعية، وبناء جسر حيّ بين المبدع والمتلقي.
وعندما يمارس الإعلام دوره بوعي ومسؤولية، يتحوّل إلى رافعة ثقافية، قادرة على إيصال الجماليات الأدبية والفنية إلى شرائح أوسع من الجمهور، وتقديم الأدب المحلي من زاوية تبرز قيمته الإنسانية وتواصله مع الوجدان الجمعي.
لقد أدّت الملاحق الثقافية في الصحف السعودية، إلى جانب المجلات الأدبية، أدوارًا محورية في مراحل سابقة ولا تزال، فقد فتحت النوافذ أمام الأقلام الجديدة، واحتضنت التجارب النقدية، وأسهمت في تكوين خطاب ثقافي متعدد الروافد.
غير أن المتغيرات الحديثة، وتبدّل أوضاع المؤسسات الصحفية، أثّرت في آليات النشر والتحرير، مما يجعل من الضروري أن تعيد هذه المنابر تموضعها، وأن تطوّر خطابها وأساليبها التحريرية، لتواكب واقعًا ثقافيًا يتسم بالسرعة، والتنوع، وتبدّل الذائقة.
على مستوى الإعلام المرئي، فإن غياب القناة الثقافية السعودية عن الساحة مثّل فجوة مؤلمة لم تُسد حتى اليوم، إذ لم تتمكن القنوات الرسمية أو شبه الرسمية من ملء هذا الفراغ على الأقل حتى الآن.
وظلّ المشهد الثقافي، محليًا وعالميًا، بعيدًا عن التغطيات الجادة، الأمر الذي ولّد انطباعًا بضرورة مراجعة البرامج الإعلامية الجديدة وتقييم أدائها ومدى اقترابها من الأهداف المرسومة.
في المقابل، برزت مبادرات نوعية تُبشّر بتحوّل واعد، مثل منصة “أدب مآب”، التي قدمت نفسها بفكر متقدم يقوم على التحليل العميق، وتوظيف الإحصاءات الدقيقة، وتقديم المحتوى الإبداعي بأسلوب مدروس ومتفرد، نجحت هذه المنصة في إعادة تقديم المبدعين ضمن سياق نقدي وجمالي يُسهم في رفع مستوى التلقي، وتوفير قاعدة موثوقة للمهتمين بالأدب.
وتبقى مسؤولية المؤسسات الثقافية الرسمية قائمة في تفعيل أدوات الإعلام الاجتماعي بشكل أكثر ديناميكية؛ إذ لا يكفي استخدام هذه الوسائط لنقل الأخبار والنشاطات، المأمول أن تتحوّل إلى منصات لإنتاج محتوى بصري وسمعي يعيد الاعتبار للأدب المحلي، ويقدّمه ضمن برامج مبتكرة تتسم بالجاذبية والإخراج الاحترافي.
مقابلات البرودكاست التي أصبحت ظاهرة واسعة الانتشار في قطاعات أخرى لا تزال غائبة عن الساحة الأدبية، رغم قدرتها على إيصال الصوت الثقافي بلغة عصرية ووسائط جاذبة.
إن الأدب المحلي، بمختلف فنونه من الشعر والرواية إلى السرد القصير والمسرح، يجب أن يحتل موقعه الطبيعي في خارطة الإعلام من خلال تقديم جمالي ومنهجي يعكس مكانته كمكوّن أساسي في مشروع التنمية الوطنية الشاملة.
وكل تأخير في هذا الاتجاه يعني استمرار الفجوة بين الإنتاج الثقافي والمحتوى الإعلامي، واتساع المسافة بين المبدع والجمهور.
في الخلاصة، الثقافة السعودية لا تستطيع إنجاز مشروعها الحضاري دون إعلام يُواكب حركتها، ويُحسن التعبير عن تنوّعها، ويحتضن طموحاتها برؤية مجددة تجمع بين عمق التجربة وحيوية الشباب؛ فالمشهد الثقافي بحاجة إلى من يصوغ له حضورًا بهيًا في الوعي الجمعي، ويعيد إليه مكانته المركزية في بناء الإنسان والمجتمع.

