د. سلطان بن مرزوق الحربي
أستاذ القانون – الجامعة السعودية بجدة
حين تفقد المرآة وضوحها، لا تعود الحقيقة كما هي، بل كما يُراد لنا أن نراها: مطموسة، محاطة بغلالة رقيقة من الغبار… بالكاد تشبه ذاتها. هذا ما يحدث للأرواح حين تتكدّس فوقها ترسّبات اللامبالاة، والكذب المُهذّب، والتعايش مع الزيف. لا ينهار المجتمع دفعة واحدة، بل يتآكل في تفاصيله، كما يذوي النور في مرآة تُهمل تنظيفها.
كان الإنسان يومًا بسيطًا، عفويًا، يمضي نحو الآخر بقلبٍ مكشوف لا يتستر خلف لغة مُنمّقة أو ابتسامة مشروطة. كان الجار ظلًا للجار، والصدق طريقًا لا استثناء له، والقلوب تُحسّ قبل أن تُفسّر. لم تكن الحياة بحاجة إلى فلاتر لغوية أو أقنعة تواصلية، كانت العلاقات تقوم على حضورٍ صادق، لا على حضورٍ افتراضي.
لكن التغيّر لا يأتي صارخًا. يبدأ كشقٍ في جدار الثقة، ككذبة بيضاء نبررها، كصمتٍ مريب نلوذ به حين يُهان الحق. شيئًا فشيئًا، يتكدّس الغبار على المرايا… فلا نعود نرى الأشياء كما هي، بل كما اعتدنا تزييفها. تغدو الحقيقة مرهقة، والصراحة مُحرجة، والمجاهرة بالقيم ضربًا من السذاجة.
لم نعد نعيش مجتمعًا متماسكًا، بل ساحةَ تمثيل جماعي. الكلمات تُقال لتُسمع لا لتُفهم، والمواقف تُصاغ بحذرٍ دعائي، لا بصدقٍ وجداني. أصبح النجاح حفلةَ ضجيج، لا ثمرةَ اجتهاد. كل شيء يُقاس بالسطح، بالصورة، بالصوت الأعلى. من يُجيد الظهور، يسبق من يُجيد الفعل. ومن يُتقن تلميع ذاته، يطغى على من يُخلص في الظل.
أما النفاق، فقد تحوّل من سلوكٍ يُستنكر إلى مهارةٍ تُطلب. نُجامل ونحن نحترق، نبتسم ونحن نختنق، ونثني على من خذلنا… لا لأننا ضعفاء، بل لأننا صرنا نُمارس التلوّث وكأنه فنٌ اجتماعي. أصبحنا نُدرّب أبناءنا على التكيّف مع القبح، لا على مقاومته، وعلى التغاضي بدل المواجهة، وعلى التزيين بدل الإصلاح.
العلاقات أيضًا أُفرغت من معناها. أصبح التواصل طقسًا شكليًا، رسائل ومقاطع وصورًا… بلا حرارة، بلا ذاكرة. القلوب متباعدة وإن اقتربت الشاشات. نعرف أخبار بعضنا، دون أن نعرف بعضنا. نفرح لمجرد التفاعل، لا لمجرد التعاطف. صرنا نعانق بعضنا بالكلمات، ونخذل بعضنا بالأفعال.
وامتدّ التلوّث إلى الذوق. صار الابتذال يُقدَّم على أنه تحرر، والركاكة على أنها تجديد. يغيب الجميل لأنه لا يُثير، ويُقصى العميق لأنه لا يُشوّق. يتراجع الفن، وتُشوَّه الثقافة، ويُعاد تعريف المعنى بما يتناسب مع الاستهلاك السريع لا مع القيم البطيئة النضوج.
ولم يعد الإعلام مجرّد ناقل، بل أصبح المُصمّم الأكبر للوعي. يُحدّد ما يجب أن نُعجب به، ومتى، وكيف. يصنع النموذج ويُكرّسه، حتى لو كان أجوف. المهم أن يُشاهد، أن يُتداوَل، لا أن يُفهم أو يُحترم. يتحوّل الذوق إلى نسخة مكرّرة، والاختلاف إلى خلل يجب إصلاحه، لا فرصة للتنوّع.
ورغم هذا كله… ما زال الضوء ممكنًا. ما زال النقاء مقاومة. ثمة أرواح ترفض أن تصبح باهتة، ترفض أن تنتمي إلى القطيع، أن تُشبه القبح لتنجو. النقاء ليس ضعفًا، بل صمودٌ في وجه السائد. شجاعة أن تظل كما أنت، أن تقول “كفى” حين يصفق الجميع، وأن تصمت حين يصبح الكلام زيفًا إضافيًا.
لن نغيّر العالم وحدنا، وربما لا نغيّره أبدًا. لكننا قادرون على حماية مرآة نفوسنا من أن تغدو مجرّد سطح. قادرون على أن نحيا بقلوب لم تلوثها السوقية، ولم تخدعها الزخارف. قادرون على أن نُعيد ترتيب أرواحنا كما يُعاد ترتيب البيت بعد عاصفة.
فالمجتمعات التي تنجو ليست تلك التي تملك إعلامًا قويًا أو رفاهًا ظاهرًا، بل تلك التي تُقاوم الغبار… وتُبقي على مراياها صافية.

