ترسم أوروبا ملامح مرحلة جديدة، تقرّ فيها، ولو همسًا، أن اعتمادها على الولايات المتحدة أكبر مما تريد الاعتراف به، وأن الحرب في أوكرانيا أعادت تعريف معادلة القوة والسيادة في القارة العجوز.
بينما ينهار الخطاب المثالي حول “قواعد التجارة العادلة”، تتقدّم المخاوف الأمنية لتعيد ترتيب الأولويات. وفي قلب هذا التغير، تقف صفقة تجارية “غير متوازنة” مع واشنطن، تثير الجدل، لكنها تمرّ لأنها ضرورة.
الاقتصاد رهينة البندقية
في أواخر مايو، وقّع سفراء الاتحاد الأوروبي اتفاقًا مثيرًا للجدل مع الولايات المتحدة يتضمّن فرض تعرفة جمركية بنسبة 15% على بعض المنتجات الأوروبية. وبينما اعتُبر الاتفاق تنازلاً مؤلمًا عن مبادئ التجارة الحرة، لم يجد القادة الأوروبيون بُدًا من القبول به، مبررين ذلك بالظرف الأمني القائم. الحرب على حدودهم الشرقية فرضت واقعية جديدة: لا وقت للمواجهة مع الحليف الأمريكي، حتى إن كانت صفقة التجارة مجحفة.

مستشار ألمانيا فريديش ميرتس، رغم إشادته المبدئية بالصفقة، عاد ليصفها بأنها “عبء ثقيل”، بينما شنّت أحزاب الخضر الألمانية هجومًا لاذعًا على القيادة الأوروبية، متهمة إياها ببيع المبادئ بثمن بخس. ومع ذلك، مرّ الاتفاق، لأن البديل قد يكون أسوأ.
أوروبا المسلحة
على وقع هذا التحول، تستعد أوروبا لاقتراض ما يصل إلى 150 مليار دولار ضمن مبادرة “SAFE” (أمن أوروبا)، وهي خطة دفاعية تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية لدول الاتحاد. لكن المفارقة أن جزءًا كبيرًا من هذه القروض لن يُستخدم فقط لتسليح الجيوش الأوروبية، بل أيضًا لتزويد أوكرانيا بالسلاح، وشراء الأسلحة من مصانع أوكرانية لدعم اقتصادها الحربي.
في رسالة موجهة إلى الدول الأعضاء، دعا المفوضان الأوروبيان أندريوس كوبليوس وفالديس دومبروفسكيس إلى “دمج أوكرانيا في منظومة الأمن الأوروبي”، عبر التوريد والتصنيع المشترك. “التوريد لأوكرانيا، مع أوكرانيا، ومن أوكرانيا، سيُحدث فارقًا في أمننا الجماعي”، كما جاء في الرسالة.
الخطاب المزدوج
وفق ما نشر معهد كوينسي الأمريكي يتحدث القادة الأوروبيون عن القيم والديمقراطية، لكن قراراتهم الأخيرة تفضح هشاشة هذه المبادئ أمام ضغوط الواقع. كما تقول الباحثة مها رفي عطال من جامعة جلاسكو، فإن ما ميّز هذه المرحلة من المفاوضات هو “أن أوروبا لم تعد تملك رفاهية العناد”. فالمخاطر الجيوسياسية الآن، وليس المبادئ، هي من تحدد الاتجاه.
مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش لخص الأمر ببساطة: “الأمر لا يتعلق بالتجارة فقط، بل بالأمن، وبأوكرانيا، وبالتقلبات الجيوسياسية”. وهو ما يفسر استعداد أوروبا لتقديم تنازلات اقتصادية مؤلمة في سبيل كسب دعم واشنطن وضمان استمرار التحالف الغربي في مواجهة روسيا.
التصدعات داخل أوكرانيا
بعيدًا عن غرف التفاوض في بروكسل، تعاني أوكرانيا داخليًا من أزمات متتالية. فقد دفعت موجة احتجاجات شعبية الرئيس زيلينسكي إلى التراجع عن تشريعات مثيرة للجدل كانت تهدف إلى السيطرة على الهيئات المستقلة لمكافحة الفساد. القانون الجديد الذي وقّعه زيلينسكي هذا الأسبوع يُعيد لتلك المؤسسات استقلاليتها، بعد أن تعرّض لضغط داخلي وشعبي غير مسبوق.

“هذا القرار يضمن العمل الطبيعي والمستقل للهيئات القانونية في بلدنا”، قال زيلينسكي، في محاولة لإعادة التوازن بين الحرب والشرعية الديمقراطية. لكنه يعلم أن الضغوط لا تأتي فقط من الداخل، بل من داعميه في الغرب الذين يطالبون بإصلاحات ملموسة كمقابل للدعم العسكري والاقتصادي المستمر.
الجبهة المشتعلة بلا توقف
في الميدان، تتواصل المعارك بوتيرة دامية. هذا الأسبوع، أسفرت غارة أوكرانية بطائرة مسيرة على مدينة سالسك الروسية عن مقتل ثلاثة أشخاص وتدمير عشرات الوحدات السكنية. وفي الوقت نفسه، زعمت روسيا سيطرتها على بلدة تشاسيف يار الاستراتيجية في منطقة دونيتسك، ما يمنحها تفوقًا عسكريًا في منطقة “حزام الحصون” الأوكرانية.
الجيش الأوكراني نفى فقدانه السيطرة على البلدة، لكن مجرد الإعلان الروسي يعكس تصعيدًا قد يُعيد خلط الأوراق ميدانيًا وسياسيًا.
ترمب يُقلّص المهلة ويزيد الضغط
أما على الجانب الأمريكي، فقد أعلن الرئيس دونالد ترمب تقليص مهلة “السلام أو التعرفة” التي منحها لروسيا من 50 يومًا إلى 10 فقط، مهددًا بفرض تعرفة جديدة إذا لم تتجه موسكو نحو تسوية سلمية.
المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية تامي بروس أكدت أن “الرئيس يدرك تمامًا ما يجري”، وأن هذه المهلة “قد تكون رمزية” لكنها تحمل رسالة واضحة للكرملين: لا مزيد من الوقت.

