خاص – الوئام
في ظل التغيرات الكبرى التي تشهدها الساحة العالمية، يتفق السياسيون من كلا الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة على أن سياسة واشنطن الخارجية التقليدية قد وصلت إلى طريق مسدود.
باتت صورة الولايات المتحدة كشرطي عالمي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة قديمة وغير واقعية. ومن هنا، بدأ نقاش داخلي بين استراتيجيي الحزبين حول الدور المستقبلي للولايات المتحدة في النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب.
واقع السياسة الخارجية الأمريكية
يشترك العديد من صناع السياسة الشبان من الحزبين في إدراك أن الواقع الجديد يستوجب مقاربة أكثر واقعية وعملية تتجاوز الحلم القديم بالنظام الدولي الليبرالي الذي تسيطر عليه واشنطن. هذا التحول جاء بعد إخفاقات مؤلمة مثل الحرب في العراق وأزمة التجارة مع الصين التي كشفت عن هشاشة الاقتصاد الأمريكي وتسببت في تداعيات سلبية على الطبقة العاملة.
تلك التجارب المؤلمة أطلقت رد فعل شعبي يعارض التدخلات العسكرية المكلفة والسياسات التجارية المفتوحة التي أثرت على مصالح الأمريكيين العاديين، خاصة في المجتمعات الصناعية والريفية.
التوافق على “الواقعية”
وفق ما نشرت مجلة فورين بولسي الأمريكية، يرى العديد من الاستراتيجيين الشباب، مثل إلبريدج كولبي بوزارة الدفاع، أن النقاش الجديد لا يدور حول العزلة، بل حول الانتقال من سياسة الهيمنة الكاملة إلى “الواقعية الجديدة”، التي تدعو إلى “التزام وتقييد” مشاركة الولايات المتحدة العالمية مع تحمل حلفائها المزيد من الأعباء.

كولبي يستشهد بمثال الرئيس الأمريكي السابق دوايت أيزنهاور الذي أراد أن يقود الحلف الأطلسي الأوروبي، لكنه يريد أن يكون الأوروبيون هم القادة الحقيقيون، وليس الأمريكيون وحدهم. هذا التوجه يتطلب مراجعة استراتيجية للوجود العسكري الأمريكي في مناطق مثل الشرق الأوسط، وتقليص العبء العسكري على الولايات المتحدة.
المواقف الحزبية
على الجانب الجمهوري، يعتقد دانيال كالدويل، المستشار السابق في البنتاجون، أن سياسة “الهيمنة الليبرالية” التي تبنتها الولايات المتحدة على مدار 30 سنة مضت أدت إلى تراجع قوتها وأمنها، حيث أثقلت الميزانية الأمريكية بالديون ووسعت المنافسة مع الصين.
أما الديمقراطيون، فيمثلهم مفكرون مثل ميرا راب هوبر وريبيكا ليسنر، فهم يرفضون العودة إلى سياسة الهيمنة الأمريكية التي تعتمد على تصدير الديمقراطية ونشر القيم الليبرالية، ويرون أن النظام الدولي الحالي “قديم ومتهالك” ولا يمكن إصلاحه بالسياسات التقليدية.
هؤلاء يطالبون بإعادة تقييم شاملة للسياسة الخارجية الأمريكية، تتخلص من الأوهام السابقة وتعتمد على دراسة جديدة للأولويات والمصالح الأمريكية في عالم معقد ومتغير.
فرصة لإعادة البناء بعد “التدمير الإبداعي”
بالرغم من التحديات والانتقادات التي تواجه الإدارة الحالية، يرى المفكرون الديمقراطيون أن الفرصة موجودة لإعادة بناء السياسة الخارجية الأمريكية من جديد على أسس أكثر واقعية، تركز على المصالح الوطنية وتتجنب التدخلات غير الضرورية.
على غرار مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أعادت أمريكا صياغة دورها العالمي، هناك إمكانية لخلق نظام دولي جديد يعكس التحولات الجيوسياسية الراهنة، ويراعي تعددية القوى بدلًا من التمسك بأوهام الهيمنة المطلقة.
تفاهم أوسع بين الأقطاب السياسية
إن الخروج من نموذج “الأمريكي الشرطي العالمي” يحتاج إلى تفاهم أوسع بين الأقطاب السياسية داخل الولايات المتحدة، يعتمد على الواقعية والاعتراف بحدود النفوذ الأمريكي. سواء أكان ذلك من خلال تحالفات أقوى مع الحلفاء أو تقليص التدخلات العسكرية والتركيز على الأمن والاقتصاد الداخلي، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن مستدام بين طموحات القوة والمصالح الوطنية في عالم متعدد الأقطاب.
هذا الحوار الداخلي يشير إلى بداية تحوّل استراتيجي محتمل يمكن أن يعيد تعريف مكانة الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين، ويضع أسسًا لسياسة خارجية أكثر حكمة وفعالية.

