بقلم/ نايف الحميدين
“إذا واحد اعترضك تجاهله!”.. “اعتبر نفسك العاقل وغيرك مهبول!”.. “تجاهل من يخطئ عليك، وخلكّ خوّاف!”.
من النصائح التي يوجّهها المتحدّثون المشفقون عبر البرامج التلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي؛ للتحذير من قائدي المركبات المتهورين الذين ترجو من الله ألا تصادف أحدهم أثناء قيادتك.
لا شك أنهم يريدون السلامة للناس من شرور قد تحُدق بمن يقود سيارته، لكنهم يوجّهون خطابهم أساسًا إلى المؤثِرين للسلامة، بينما الآخر الذي يرى في ذلك شجاعة، وأن أذيةّ الآخرين حقاً من حقوقه الطبيعية، يبقى غالباً خارج هذه الرسائل.
هؤلاء المتهوّرون؛ أحدهم قد يقطع الإشارة بلا مبرر، وآخر يستعرض مهاراته بسرعة عالية تثير القلق والخوف في نفوس من يصادفونه، وقد يرسم بإطارات مركبته على الطريق خطوطًا عشوائية تشوّه ملامحه، غير مبالٍ بسلامته ولا بطفل أو مسن قد يفزعه الأمر.
كما أن منهم من لا يتردد في محاولة تجاوز الآخرين، غير مبالٍ بحقهم في الطريق أو بأي قدر من الاحترام لهم، وحتى عند التوقّف، يكون آخر ما يفكر فيه هو ركن سيارته بطريقة صحيحة لا تضيّق على أحد.
هؤلاء يرتكبون كل ما يتعارض مع أصول القيادة الآمنة التي لم تألُ حكومتنا الرشيدة جهدًا في وضع الأنظمة والقوانين لترسيخها، وهذا ما يتجلىّ في مبادرات جليلة تتبناها وزارة الداخلية.
كيف نخاطبهم؟
الوصول إلى هذه الفئة، يتمّ عبر استراتيجية اتصالية متكاملة تبدأ بالتعرّف على سماتهم: الشريحة العمرية، المستوى التعليمي، المنطقة الجغرافية، والخصائص النفسية، لفهم مخاوفهم ودوافعهم.
بعد ذلك تصُاغ رسائل إعلامية تجمع بين الحقائق والاستمالات العاطفية، وتبُث عبر قنوات متوافقة وسماتهم، وبالتعاون مع شخصيات مؤثرة قريبة منهم، تحدّثهم عن أهمية الالتزام بسلوكيات القيادة الآمنة لهم ولوطننا الذي نعتزّ به جميعاً ونتغنىّ بعبارة “سعودي وافتخر”.
لماذا الآن؟
صحيح أن موضوع القيادة المتهورة قد أشُبعِ نقاشاً وكتابة، لكن ما يحدث اليوم في وطننا الغالي يجعل إعادة طرحه أمراً ملحّاً.
المملكة اليوم تشهد تنمية شاملة غير مسبوقة، وتطبّق برامج ترتقي بجودة الحياة، واستقبلت في 2023 مئة مليون سائح، وهو مستهدف رؤية 2030 (موعده بسبع سنوات). كما تستضيف فعاليات رياضية وثقافية دولية على مدار العام، وتستعد لإكسبو 2030 وكأس العالم 2034.
وفي قلب هذا الحراك الكبير، تبرز مدينة كبرى مثل الرياض، التي تنتظر أكثر من 20 مليون زائر سنوياً بحلول 2030، وتستقبل قرابة 40 مليون زائر ضمن فعاليات موسم الرياض، وهو الرقم الذي تحقق في 2023؛ بحسب ما أورده معالي المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، عبر حسابه الرسمي على منصة X.
كل ذلك يتطلّب أن يوازيه وعيٌ وطني لدى قائدي المركبات؛ حيث تؤكد معظم الدراسات الاجتماعية أن المجتمّع الذي يرسّخ حضارته يتميّز بثقافة مرورية وسلوكيات آمنة، وأن العلاقة وثيقة بين ثقافة الفرد والمخالفات المرورية، وهذا يقود إلى نموذج “المجتمع الناجح” الذي تعمل رؤية المملكة 2030 على ترسيخه كمصدر من مصادر القوة الناعمة السعودية.
مقترحات
- بناء رسائل اتصالية استراتيجية واضحة تحدد خصائص الجمهور المستهدف، والوسائل، والرسائل، والتوقيت، مع قابلية القياس والتقييم.
- الاستعانة بمؤثرين ومشاهير قريبين من الجمهور المستهدف.
- التركيز على الجانب الإنساني في الرسائل، واستخدام أسلوب الصدمة العاطفية، ضمن إطار إستراتيجية وطنية شاملة، كما في حملة Think البريطانية، التي ساهمت في خفض عدد الوفيات والإصابات الخطيرة بنحو 40٪ بحلول 2010، و59٪ بالنسبة للأطفال.
- إشراك الشباب في تجارب محاكاة للحوادث ضمن المعارض والفعاليات.
- نشر رسائل إيجابية على وسائل التواصل، كما في حملة #DriveWithKindness التي ساهمت في خفض الغضب المروري بنسبة 28٪ في كندا، ومبدأ “Kindness as a Driving Skill”؛ حيث اعتبرت أن اللطف خلف المقود مهارة من مهارات القيادة التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار.
- ربط الرسائل بالقيم الوطنية لتأكيد أنها من أجل الوطن وتعزيز صورته المشرقة.
خاتمة
النقلة التي شهدتها المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- جعلت مشاريعها الكبرى حديث العالم. ومن المنطقي أن يوازي هذه النهضة سلوك مروري حضاري، لترسم طرقاتنا صورة مشرقة لوطن يستحق منا الكثير.
“إذا أردت أن تعرف سلوك شعب… فانظر كيف يقودون مركباتهم.

