ماريا معلوف
زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن لم تكن مجرد حدث عابر يمر في الإعلام ثم يُنسى. منذ لحظة وصوله، كان واضحاً أنّ هناك ما هو أكبر من البروتوكول، وأن ما سيُقال داخل البيت الأبيض لن يكون تبادلاً من عبارات المجاملة، بل رسمًا لخط جديد في علاقة ممتدة لأكثر من ثمانين عامًا.
دخل الأمير الاجتماع محملاً بملفات ثقيلة: استثمارات ضخمة تُعاد هندستها، مشاريع تمتد من الطاقة إلى الذكاء الاصطناعي، ورؤية واضحة لكيفية التعامل مع التغيرات الإقليمية. ترامب، من جهته، بدا مرتاحًا لمجمل الأمور، واصفًا ولي العهد بصديق مقرّب، معبّرًا عن احترامه الكبير له وللمملكة.
الرسالة السعودية كانت واضحة ومباشرة: هذه الأرقام ليست للاستهلاك الإعلامي أو للتظاهر. الحديث عن استثمارات قد تصل إلى تريليون دولار ليس مجرد استعراض، بل خطوة فعلية لبناء مكاسب مشتركة، خصوصًا في القطاعات التي تشكّل مستقبل الاقتصاد العالمي اليوم، كالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة الحديثة.
وعند الحديث عن الاتفاقيات الإبراهيمية، وضع الأمير الأمور في نصابها: نعم، السعودية تريد أن تكون جزءًا من أي مسار سلام، لكن على أساس واضح. الطريق نحو حلّ الدولتين يجب أن يكون مرسومًا بوضوح، لا أن يكون مجرد توقيع على ورق. جملة واحدة تختصر الموقف السعودي في لحظة إقليمية معقّدة.
أما على الصعيد الدفاعي، فقد بدا واضحًا أن واشنطن تتعامل مع الرياض بطريقة جديدة. الحديث عن صفقة مقاتلات إف-35 للسعودية لم يكن تفصيلاً عابرًا، وأثار قلق إسرائيل، التي تخشى خسارة “التفوق النوعي”. ومع ذلك، الرسالة كانت واضحة: السعودية شريك قادر على إعادة موازين الأمن في المنطقة، وقد تعيد ترتيب أولويات واشنطن.
إضافة إلى ذلك، هناك برنامج نووي مدني، ضمانات أمنية، تعاون تكنولوجي مع أكبر الشركات الأميركية، وكل ذلك يأتي في سياق إبعاد الرياض عن النفوذ الصيني، أو على الأقل الحدّ من حضوره في المعادلة الخليجية.
باختصار، لم تكن الزيارة لقاءً عابرًا. كانت خطوة تمهّد لمرحلة جديدة تُعيد للرياض تموضعها كلاعب دولي فاعل، لا كدولة تُستدعى عند الحاجة. مرحلة تُعيد ضبط الإيقاع بين واشنطن والمنطقة، وتعلن بصوت واضح: السعودية اليوم ليست مجرد رقم في السياسة الدولية، بل أحد صناعها.
وفي نهاية المطاف، الرسالة كانت واحدة:
السعودية لا تتحرك داخل اللعبة… بل بدأت تغيّر قواعدها فعليًا.

