كشف تقرير حديث صادر عن غرفة المدينة المنورة عن حراك اقتصادي غير مسبوق تشهده المنطقة، يتمثل في نمو متسارع للقطاع التجاري مدفوعًا باستراتيجية تنويع القنوات التقليدية، وزيادة الأنشطة التجارية، والتحول الرقمي الشامل في أنماط التجارة والاستهلاك.
وأشار التقرير بوضوح إلى ضرورة عدم الاكتفاء بهذا النمو العفوي، بل شدد على أهمية التدخل المؤسسي لدعم المتاجر التقليدية لتبني حلول الدفع الإلكتروني، والتجارة الإلكترونية، والتسويق الرقمي، بالإضافة إلى تدريب رواد الأعمال على أساليب التجارة الرقمية الحديثة؛ وذلك للاستفادة القصوى من النمو الملحوظ في السجلات التجارية عبر برامج التمويل، ودعم التأسيس، وتسهيل الإجراءات الحكومية.
الخامسة في نقاط البيع
ترجمت لغة الأرقام هذا الحراك بوضوح، حيث أظهر التقرير ارتفاعاً ملحوظاً في عمليات نقاط البيع عبر أجهزة الدفع الإلكترونية في المنطقة، لتبلغ قيمتها الإجمالية نحو 26.4 مليار ريال خلال العام 2024م.
وتمت هذه العمليات الضخمة عبر شبكة واسعة قوامها 70,400 جهاز دفع إلكتروني، مما وضع منطقة المدينة المنورة في المرتبة الخامسة على مستوى المملكة في إجمالي عمليات الدفع الإلكتروني؛ وهو مؤشر قوي يعكس النمو والتوسع في اعتماد المتاجر على التقنية المالية، ويؤكد زيادة حجم القوة الشرائية في المنطقة.
سباق السجلات الرقمية
وفي مضمار التجارة الإلكترونية، حجزت المدينة المنورة موقعاً متقدماً، حيث بلغ عدد سجلات التجارة الإلكترونية فيها 1,819 سجلًا بنهاية الربع الثالث لعام 2025م، لتصل بذلك إلى المركز الرابع على مستوى المملكة في حجم السجلات النشطة.
وجاء هذا الترتيب في سياق منافسة وطنية قوية، حيث تصدرت الرياض القائمة بـ 17,942 سجلًا، تلتها منطقة مكة المكرمة بـ 10,599 سجلًا، ثم المنطقة الشرقية بـ 6,432 سجلًا، فيما حلت منطقة القصيم في الترتيب الخامس خلف المدينة المنورة بـ 1,341 سجلًا.
معادلة “التمور والتقنية”
وطرحت الغرفة في تقريرها خارطة طريق لتطوير المحتوى التجاري، مؤكدة أن تنويع العروض المناسبة للسكان المحليين يشكل حجر الزاوية لدعم التجارة الإلكترونية.
واقترحت الغرفة استراتيجية دمج ذكية تجمع بين توفير سلع توافق الاحتياجات اليومية للمستهلك المحلي، وبين منتجات مرتبطة بالسياحة مثل الهدايا والمنتجات الشعبية والتراثية.
كما ركزت الرؤية على تنمية سلاسل التوريد المحلية عبر دعم المنتجات الأصيلة كالحرف اليدوية، والصناعات الغذائية القائمة على التمور، والمنتجات العضوية، ودمجها بفعالية في قنوات البيع بالتجزئة لتوسيع سلاسل القيمة داخل اقتصاد المنطقة.
اقتصاد ما بعد المواسم
وخلص التقرير في تحليله النهائي إلى أن استمرار نمو القطاع التجاري، وارتفاع أعداد السجلات، وتوسع التجارة الإلكترونية وانتشار نقاط البيع، يبعث برسالة واضحة مفادها أن المدينة المنورة تجاوزت كونها مركزًا دينيًا وسياحيًا فقط، بل تمتلك المقومات لتكون مركزًا تجاريًا محليًا مستدامًا يقود تنمية اقتصادية متوازنة بعيدًا عن تقلبات المواسم الدينية.
وشدد التقرير ختامًا على أهمية الاستثمار المدروس في البنية التحتية التجارية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، كسبيل وحيد لخلق المزيد من الفرص الاقتصادية والاجتماعية لكافة السكان والمستثمرين.

