دشنت المملكة مرحلة جديدة وحاسمة في تاريخ سوق العمل المحلي، مستهدفةً بناء بيئة وظيفية تقوم على أسس العدالة المطلقة والإنصاف، وذلك عبر إقرار “السياسة الوطنية لتشجيع تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة في الاستخدام والمهنة”.
تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية تتويجًا لقرار مجلس الوزراء رقم (416) وتاريخ 11/6/1444هـ، لتمثل إطارًا وطنيًا شاملًا لا يكتفي بالشعارات، وإنما يحدد بدقة المفاهيم والمبادئ الأساسية، ويبين نطاق التطبيق، ويضع الأهداف والآليات التنفيذية اللازمة لضمان تحويل النصوص إلى واقع ملموس يعزز من كفاءة بيئة العمل.
تضع الوثيقة الرسمية للسياسة هذا التحرك في سياق التزام حكومي رفيع المستوى بجعل مبدأي “تكافؤ الفرص” و”المساواة في المعاملة” في مجالي الاستخدام والمهنة ركيزتين أساسيتين لا غنى عنهما للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في المستقبل. وتربط السياسة هذا التوجه بشكل وثيق بتعزيز مفاهيم الحوكمة، والمتابعة الدقيقة، والتقييم المستمر لأثر كل التدخلات والسياسات المرتبطة بعدم التمييز، مما يجعلها رافدًا مباشراً وداعمًا لمستهدفات “رؤية المملكة 2030” الطموحة.
تعريفات دقيقة.. من هم “الفئات الأقل فرصًا”؟
تتجاوز السياسة الجديدة العموميات اللفظية لتنخرط في صلب الواقع الاجتماعي والاقتصادي، حيث وضعت تعريفًا مباشرًا ومفصلًا لمفهوم “الفئات الأقل فرصًا”.
يضم هذا التعريف شرائح مجتمعية متعددة قد تواجه تحديات حقيقية في الوصول إلى فرص العمل، وفي القدرة على الاستمرار فيها.
وتنص الوثيقة حرفيًا وبوضوح تام على أن هذه الفئات تشمل “الأشخاص ذوي الإعاقة”، وهي شريحة لطالما كانت في صلب اهتمامات الدولة، لكن التعريف يمتد ليشمل أبعادًا جغرافية وتنموية بضم “الأشخاص الذين يعيشون في المدن والمحافظات والمراكز التي يقل فيها النمو الاقتصادي والمناطق التي ترتفع فيها نسبة البطالة”، في لفتة تهدف لردم الفجوة التنموية بين المناطق.
ولا يتوقف التصنيف عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل “كبار السن”، و”الأشخاص ذوي المسؤوليات العائلية” سواء كانوا من الرجال أو النساء، مما يعكس فهمًا عميقًا للأعباء الاجتماعية التي قد تعيق المسار المهني.
وتتضمن السياسة أيضًا لفتة إنسانية وإصلاحية بالغة الأهمية بشمولها الأشخاص الذين “سجنوا لجرائم لا تعد من قبيل الجرائم الكبيرة”، مما يفتح باب العودة والاندماج للمجتمع، إضافة إلى أولئك الذين “كانوا يعانون من أمراض تسببت في انقطاعهم عن العمل”، حيث حددت الوثيقة أن ذلك يشمل الأمراض العقلية والنفسية والأمراض المزمنة وغيرها.
وتترك السياسة الباب مفتوحًا للمرونة المستقبلية بإضافة “الفئات المحتاجة التي تحددها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية”.
وبهذا التعريف الشامل، تكون السياسة قد غطت عوامل المكان، والعمر، والظروف الصحية، والانقطاع القسري عن العمل، وحتى العوائق المرتبطة بسوابق قضائية بسيطة، لضمان شمولية مظلة العدالة.

مفهوم التمييز.. التفاصيل الدقيقة للعدالة
وفي سعيها لسد الثغرات القانونية، قدمت السياسة تعريفًا مانعًا لمصطلح “التمييز في الاستخدام والمهنة”، أو ما يُعرف بـ “عدم المساواة في المعاملة”.
وتعرفه الوثيقة بأنه “أي تفريق أو استبعاد أو تفضيل” يقوم على أسس محددة تشمل “العرق أو اللون أو الجنس أو الأصل الوطني أو الأصل الاجتماعي أو الإعاقة أو العمر”.
ولم تكتفِ الوثيقة بهذه المعايير العالمية، بل توسعت لتشمل التمييز بناءً على “الحالة الاجتماعية أو الصحية أو الأمومة أو الزي”، في إشارة واضحة لاحترام الخيارات الشخصية والثقافية، إضافة إلى “الموظفين (العمال) ذوي المسؤوليات العائلية” أو أي سبب آخر للتمييز، وسواء كان هذا التمييز مباشرًا وصريحًا أو غير مباشر ومبطنًا.
وترتب الوثيقة على هذا التعريف نتيجة حتمية، وهي أن التمييز هو كل ممارسة تفضي إلى “عدم تطبيق تكافؤ الفرص أو عدم المساواة في المعاملة في الاستخدام أو المهنة”.
ولكن، ولضمان عدم الخلط بين التمييز المرفوض والتمايز المشروع، حددت السياسة حالتين استثنائيتين لا تعدان تمييزًا؛ الأولى هي “أي تفريق أو استبعاد أو تفضيل على أساس مؤهلات يقتضيها شغل وظيفة معينة”، مما يحفظ مبدأ الجدارة والكفاءة، والثانية هي “التمييز بين مواطني الدولة ومواطني دولة أخرى”، وهو حق سيادي لتنظيم سوق العمل الوطني.

نطاق التطبيق.. مظلة تشريعية واحدة للجميع
تؤكد السياسة بوضوح لا يقبل التأويل أن نطاق تطبيقها ليس محدودًا بقطاع دون آخر، بل يغطي “جميع الخاضعين لأحكام نظام الخدمة المدنية ونظام العمل”. وتفصل الوثيقة هذا الشمول بالنص على سريان السياسة على “جميع الأجهزة الحكومية ومنشآت القطاع الخاص والقطاع الثالث”.
هذا النطاق الواسع يضمن توحيد معايير العدالة الوظيفية عبر كل القطاعات الاقتصادية والخدمية في المملكة، ليكون الموظف في مؤسسة حكومية أو شركة خاصة أو جمعية خيرية محمياً بنفس المظلة التشريعية.
الركائز الثلاث.. تشريعات ومشاركة وتنفيذ
تحدد الوثيقة كذلك الغاية الكبرى للسياسة في “القضاء على أي تمييز في الاستخدام والمهنة”، ولتحقيق ذلك، رسمت خارطة طريق تقوم على ثلاثة أهداف رئيسة متكاملة.
يبدأ الهدف الأول بتطوير البيئة التنظيمية عبر تطوير الأنظمة والسياسات التي تمنع ممارسات التمييز وتعزز المساواة.
وتفصل السياسة في هذا المسار إجراءات دقيقة تشمل مراجعة الأحكام النظامية اللازمة في نظامي الخدمة المدنية والعمل ولوائحهما “للتحقق من عدم وجود أي تمييز بجميع جوانبه وأشكاله”، بالإضافة إلى “تحديد إجراءات ووسائل الانتصاف الفعالة” لضمان حصول المتضررين على حقوقهم، والمراجعة الدورية للتشريعات لمواءمتها مع السياسة.
كما يتضمن هذا الهدف تفعيل “التقييم المستمر” لتشريعات عدم التمييز وقياس أثرها، ويشمل ذلك تقييم “تنظيم الأجر المتساوي للعمل ذي القيمة المتساوية”، وتنظيم بيئة العمل لضمان استقرار العاملين، وتشجيع أنماط العمل الجديدة مع الحفاظ على الحقوق، وتشريعات حماية الأمومة، والتطوير المستمر لأنظمة الحماية الاجتماعية لضمان شموليتها.
وينتقل الهدف الثاني ليركز على الجانب العملي عبر “تعزيز مشاركة المرأة والفئات الأقل فرصًا في سوق العمل”. ويتحقق ذلك من خلال حزمة من الإجراءات والبرامج والمبادرات التي تمكّن هذه الفئات من الدخول إلى السوق والاستمرار فيه.
وتحدد السياسة آليات تنفيذية لهذا الهدف تشمل مراجعة البرامج القائمة بالتنسيق مع أصحاب المصلحة، والعمل على التسويق الاجتماعي للبرامج لتعزيز الوعي المجتمعي، ودعم الانتقال السلس من المرحلة التعليمية إلى سوق العمل عبر برامج تدريبية تتم بالتنسيق بين أصحاب العمل ومقدمي خدمات التدريب، فضلًا عن دعم العودة إلى العمل بعد الانقطاع من خلال برامج التدريب المهني وخدمات التوظيف المتخصصة.
أما الهدف الثالث، فيشكل الضمانة التنفيذية للسياسة، حيث يركز على دعم التنفيذ بإجراءات فعالة وملموسة.
وتنص الوثيقة على تكليف وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بمهام المراقبة والمتابعة، وإعداد إطار شامل للمتابعة والرصد. وستكون الوزارة هي المرجع المعتمد للاستفسارات، مع التزامها بإنشاء وسائل انتصاف فعالة لتلقي الشكاوى المتعلقة بجميع أشكال التمييز في الاستخدام والمهنة، وتطبيق حوكمة صارمة للسياسة، وتحديد وتنسيق الأدوار بين الجهات الحكومية ذات العلاقة لضمان تكامل الجهود وعدم تضاربها.

“إدارة التكافؤ”: عقل السياسة المدبر
ولضمان عدم بقاء السياسة حبرًا على ورق، توضح الوثيقة أن متابعة التنفيذ ستتم من خلال إنشاء كيان متخصص أطلقت عليه “إدارة للتكافؤ”.
تتمتع هذه الإدارة بالصلاحيات اللازمة لأداء مهام واسعة ومحورية، تمتد من المراجعة الدورية للتشريعات والبرامج القائمة واقتراح التعديلات عليها وفق الإجراءات النظامية المتبعة، إلى إجراء دراسات شاملة للفئات الأقل فرصاً لإيضاح احتياجاتهم الوظيفية بدقة واقتراح برامج جديدة بناءً على نتائج هذه الدراسات العلمية.
كما تتولى الإدارة تفعيل نظم شاملة للمراقبة والتقييم والتبليغ، وتنفيذ البرامج والمبادرات الوطنية بالتنسيق الوثيق مع الجهات ذات العلاقة.
ومن مهامها الحيوية أيضًا تعزيز التعاون والحوار بين أصحاب العمل والعاملين وممثليهم، وتقويم ومتابعة واستدامة أثر أنشطة السياسة على بيئة العمل. ولم تغفل الوثيقة الجانب الرقابي الميداني، حيث أناطت بالإدارة مهمة تدريب المراقبين على اكتشاف الممارسات التمييزية بمهارة، وتثقيف المنشآت وأصحاب العمل بواجباتهم، والعمل مع الجهات ذات العلاقة، بما فيها وسائل الإعلام، لإطلاق حملات وطنية وإقليمية تهدف لتعزيز ثقافة المساواة وعدم التمييز في المجتمع.
ليس حدثًا لحظيًا.. التزام بـ “العمل الكريم”
تختتم السياسة وثيقتها بنظرة استشرافية واقعية، مؤكدةً أن تأسيس ممارسات عدم التمييز في الاستخدام والمهنة ليس حدثًا لحظيًا، بل هو “عملية ديناميكية طويلة المدى” تتطلب مشاركة فاعلة من جميع أطراف سوق العمل.
والهدف الأسمى لهذه العملية المستمرة هو تحقيق “العدالة والمساواة وتوفير فرص العمل الكريم لجميع أفراد المجتمع”.
وتربط الوثيقة نجاح هذه المساعي بتكامل التشريعات والتنظيمات والمبادرات مع التوعية المجتمعية، مؤكدةً في النهاية اتساق غايات هذه السياسة وتناغمها التام مع “مبادئ الشريعة الإسلامية السمحة والأنظمة الأساسية في المملكة العربية السعودية”، لتجمع بذلك بين الأصالة القيمية والمعايير العالمية الحديثة في إدارة سوق العمل.

