مع إعلان المحكمة العليا ثبوت رؤية هلال شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ، ليكون غدًا الأربعاء 18 فبراير 2026 هو غرة الشهر الفضيل، تكتسب ليالي المملكة طابعًا استثنائيًا هذا العام. فبينما تظل الروحانية هي العنوان الأبرز، فرض اعتدال الطقس الشتوي وتطور البنية التحتية الترفيهية نمطًا جديدًا من “السياحة الرمضانية”، حيث تتنافس المدن السعودية في تقديم تجارب تمزج بين عبق التراث، وفخامة الضيافة، وسحر الطبيعة.
نقدم لك في هذا التقرير دليلًا موثقًا لأهم الوجهات التي تستحق الزيارة خلال ليالي الشهر الكريم، مستندين إلى أحدث البيانات الرسمية وجداول الفعاليات المعتمدة.
جدة التاريخية.. رحلة عبر الزمن في “موسم رمضان”
تتصدر منطقة “البلد” في جدة التاريخية المشهد الرمضاني بلا منازع، ببرنامج “موسم رمضان في جدة التاريخية” الذي يستمر طيلة الشهر الفضيل (من 18 فبراير حتى 18 مارس 2026).
وتتحول المنطقة المدرجة ضمن التراث العالمي لليونسكو إلى متحف حي يضج بالحياة من الخامسة مساءً حتى الثانية صباحًا.
تتميز التجربة هذا العام بالشمولية، حيث يمكن للزائر بدء جولته من “دكاكين رمضان” في برحة العيدروس، مرورًا بالأسواق التاريخية التي أعيد إحياؤها مثل “سوق العلوي” و”سوق الندى” و”سوق قابل”، التي تعبق روائحها بالبخور والبهارات الحجازية القديمة.
ولا تقتصر المتعة على التسوق، بل تمتد لتشمل تجارب طهي حية في الهواء الطلق، حيث تتنافس مطاعم شعبية عريقة مثل “فول فتاح” و”باعشن للأسماك” مع مفاهيم عصرية في “برحة باب جديد” التي تحتضن مطاعم مثل “ميز” و”شقفة”.
وثقافيًا، تفتح المتاحف الأثرية أبوابها للزوار ليلًا، وأبرزها “بيت نصيف” و”بيت متبولي”، بالإضافة إلى تجربة “تيم لاب” الرقمية في ميدان الثقافة، مما يمنح الزائر فرصة نادرة لدمج الترفيه بالمعرفة التاريخية في آن واحد.

الرياض.. من “إفطار المستقبل” لـ”روحانية الطين”
ترسم العاصمة الرياض في رمضان 2026 مشهدًا استثنائيًا يمزج بين أقصى درجات الحداثة وأعماق الأصالة، مستفيدةً من الأجواء المعتدلة التي تميز هذا الموسم. وتبرز الخيم الرمضانية التي تقدم تجارب متنوعة لزوارها، بينما تبرز الدرعية التي تأخذ زوارها في رحلة عبر الزمن، حيث تفتح أحياء “الطريف” و”مطل البجيري” أبوابها لتجربة “حي المريّح”، التي تتيح جلسات السحور المتأخرة في الهواء الطلق بين أشجار النخيل والمباني الطينية التاريخية.
وتتكامل هذه التجربة مع الحراك الثقافي في “حي جاكس”، الذي يستقبل زوار “بينالي الدرعية للفن المعاصر” ليلًا، دامجًا بين الروحانية والإبداع الفني.
أما عشاق الترفيه، فموعدهم مع “بوليفارد وورلد” و”بوليفارد سيتي” اللتين تواصلان استقبال الزوار ضمن تمديد “موسم الرياض 2026″، حيث تتحول المناطق إلى أسواق عالمية تعرض بضائع وأطعمة رمضانية من مختلف القارات، تحت سماء تتزين يوميًا بعروض الدرونز والإضاءة الفانوسية.
وللعائلات نصيب من الأجواء الشتوية، حيث يُعد المشي حول بحيرة “وادي نمار” بعد الإفطار نشاطًا مفضلًا بفضل الممرات المضاءة بالكامل، بينما يجد الشباب ضالتهم في بطولات البادل الرمضانية التي تقام في ملاعب الرياض (مثل Padel P1) وتستمر منافساتها حتى الساعات الأولى من الفجر.

العلا.. روحانية في أحضان الطبيعة
لمن يبحث عن الهدوء والسكينة بعيدًا عن صخب المدن الكبرى، تقدم العلا تجربة رمضانية مغايرة تمامًا.
تستقبل المحافظة زوارها ببرامج مصممة خصيصًا للشهر الفضيل تحت شعار “رمضان في العلا”، حيث يمكن للزوار تناول الإفطار أو السحور في مطاعم تقع وسط الواحات أو بين التشكيلات الصخرية الفريدة.
وتشمل الفعاليات جولات مسائية في موقع “الحجر” الأثري، وتجارب تأمل النجوم التي تتناغم مع روحانية الشهر.

مكة والمدينة.. القلب النابض
تشهد مكة المكرمة والمدينة المنورة هذا العام تطورًا لافتًا في “تجربة الزائر”، وهما أقدس بقعتين على وجه الأرض. فمع تنظيم رئاسة الشؤون الدينية لسفر الإفطار وحوكمتها رقميًا، باتت الساحات المحيطة بالحرمين تقدم مشهدًا إنسانيًا وحضاريًا مهيبًا.
وتزدهر الأسواق المحيطة بالحرمين بمنتجات هذا الموسم، حيث تشير التقارير الميدانية إلى نشاط تجاري مكثف في بيع السبح والسجاد والتمور، بأسعار تتفاوت لتناسب الجميع، وسط إجراءات تنظيمية تضمن انسيابية الحركة رغم الكثافة المليونية المتوقعة.

رمضان 2026.. موسم متكامل
لقد نجحت المملكة في تحويل الشهر الفضيل إلى “موسم متكامل” لا يكتفي بالجانب الشعائري فحسب، بل يثريه بتجارب ثقافية واجتماعية وترفيهية راقية. وسواء كنت تبحث عن صخب الأسواق التاريخية في جدة، أو فخامة الموائد في الرياض، أو سكون الطبيعة في العلا، فإن الخيارات هذا العام تبدو أكثر تنوعًا ونضجًا من أي وقت مضى.

