كشف باحثون أن واحدة من أكثر الصحاري جفافاً وقسوة على وجه الأرض تعج بالحياة في أعماق رمالها، ففي صحراء أتاكاما الواقعة شمالي تشيلي، والتي تصنف كأكثر الصحاري غير القطبية جفافاً في العالم لدرجة أن وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» تستخدمها لاختبار مركباتها المخصصة لكوكب المريخ، عثر العلماء على مفاجأة غير متوقعة.
وأظهرت دراسة بحثية جديدة أجرتها جامعة كولونيا، نشرت نتائجها في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية، أن تربة هذه الصحراء تنبض بالحياة المجهرية.
وفي إطار الدراسة، قام فريق من الباحثين بجمع عينات من التربة يزن كل منها حوالي 500 جرام من ستة مواقع مختلفة داخل صحراء أتاكاما.
وتميزت هذه المواقع بتفاوت كبير في مستويات الرطوبة، والإشعاع الشمسي، والملوحة، والغطاء النباتي، وشملت أنظمة الكثبان الرملية، والجبال الشاهقة الارتفاع، والبحيرات المالحة، ووديان الأنهار، وواحات الضباب.
وأخضع الباحثون هذه العينات للتحليل الدقيق، واكتشفوا أن التربة تحتوي على مجتمعات مزدهرة من الديدان الأسطوانية، والمعروفة علمياً باسم «الديدان الخيطية».
وتصنف هذه الديدان ضمن نفس مجموعة الكائنات الحية التي تضم المفصليات وبطيئات المشية «دببة الماء»، والتي تشتهر بقدرتها الفائقة على التحمل.
ورغم قدرة الديدان الخيطية على التكيف مع البيئات المتطرفة مثل أعماق البحار والقارة القطبية الجنوبية والمناجم العميقة، إلا أن السجلات السابقة حول وجودها في صحراء أتاكاما كانت تقتصر على أعداد فردية أو قليلة جداً.
وعند تحديد تسلسل الحمض النووي للديدان المجمعة، تمكن الباحثون من تصنيف 21 فصيلة و36 جنساً، وهو تنوع بيولوجي يفوق بكثير ما كان يعتقد سابقاً.
واكتشفوا أن تنوع الأجناس يقل في القلب شديد الجفاف للصحراء، بينما تزداد أعدادها في منطقة «ألتيبلانو» الأكثر رطوبة، حيث تبين أن متوسط هطول الأمطار السنوي والتباين الموسمي في درجات الحرارة يؤثران بشكل قوي وثابت على ثراء وتنوع هذه الكائنات.
ولاحظ الباحثون انتشار الديدان التي تتكاثر لاجنسياً في الارتفاعات العالية من الصحراء، بينما تركزت الديدان التي تتكاثر جنسياً في المناطق المنخفضة كالبيئات الساحلية.
وأكدت نتائج الفريق أن هناك مجتمعات حيوية مستقرة في التربة حتى في أقسى البيئات، حيث قال فيليب شيفر، من معهد علم الحيوان بجامعة كولونيا وأحد مؤلفي الدراسة: «في ضوء تزايد الجفاف العالمي، تكتسب هذه النتائج أهمية متزايدة».
وأضاف أن فهم كيفية تكيف هذه الكائنات مع البيئات المتطرفة والمعايير البيئية التي تدفعها للانتشار، سيساعد بشكل كبير في تحسين تقييمنا للتبعات البيئية للتغير المناخي.

