في ظل موجة من التراجعات التي طالت توقعات النمو الاقتصادي العالمي، بعد أن خفّض «صندوق النقد الدولي» تقديراته للنمو بمقدار 0.2 نقطة مئوية إلى 3.1 في المائة بفعل التوترات الجيوسياسية، برزت السعودية كأحد أبرز الاقتصادات القادرة على الحفاظ على توازنها في منطقة الخليج، رغم الضغوط الناتجة عن تصاعد الصراعات الإقليمية.
اضطرابات إقليمية واختبار لقدرة اقتصادات المنطقة
تزامن هذا المشهد مع تداعيات الحرب الإيرانية التي أثرت على حركة التجارة العالمية وأحدثت اختناقات في سلاسل الإمداد، خاصة في الممرات الحيوية للطاقة. ووفقًا للمعطيات، فإن هذه التطورات انعكست بشكل مباشر على اقتصادات عدة في المنطقة، وسط تفاوت واضح في القدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، أظهرت التقديرات أن السعودية تمكنت من تجاوز تداعيات إغلاق مضيق هرمز عبر الاعتماد على خطوط أنابيب بديلة تربط شرق المملكة بغربها وصولًا إلى البحر الأحمر، ما سمح باستمرار تدفق صادرات النفط إلى الأسواق العالمية دون انقطاع.
السعودية في صدارة النمو الخليجي رغم خفض التوقعات
ورغم خفض توقعات نمو الاقتصاد السعودي من قبل مؤسسات دولية، فإن المملكة ما زالت مرشحة لتسجيل نمو عند مستوى 3.1 في المائة لعام 2026، مع توقعات بارتفاعه إلى 4.5 في المائة في عام 2027، لتظل الأعلى أداءً بين دول مجلس التعاون الخليجي.
وبحسب «البنك الدولي»، فإن هذا الأداء يعكس استقرارًا نسبيًا مدعومًا بنمو القطاعات غير النفطية، إلى جانب القدرة على إعادة توجيه مسارات التصدير بعيدًا عن الممرات المتأثرة بالتوترات، وهو ما عزز من موقع السعودية مقارنة ببقية اقتصادات المنطقة.
تباين حاد في أداء اقتصادات الخليج
في المقابل، أشار «صندوق النقد الدولي» إلى تراجع حاد في بعض الاقتصادات المجاورة، حيث توقع انكماش الاقتصاد القطري بنسبة 8.6 في المائة، في واحدة من أشد المراجعات السلبية للمنطقة، بفرق يصل إلى 14.7 نقطة مئوية عن تقديرات سابقة، نتيجة توقف منشآت طاقوية رئيسية.
ويعكس هذا التباين الفجوة في قدرة اقتصادات المنطقة على مواجهة الاضطرابات المرتبطة بالطاقة والتجارة العالمية، في وقت تتعرض فيه الأسواق لتقلبات حادة بفعل استمرار التوترات الجيوسياسية.
مؤشرات مالية تدعم استقرار الاقتصاد السعودي
وفي سياق متصل، أظهرت تقديرات «البنك الدولي» أن عجز الموازنة السعودية قد يتراجع إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقارنة بنحو 6 في المائة في العام السابق، مع توقع استمرار تراجع العجز المالي تدريجيًا.
كما توقّع البنك أن تسجل السعودية فائضًا في حساب المعاملات الجارية بنحو 3.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بعجز بلغ 2.7 في المائة في العام السابق، في مؤشر يعكس تحسنًا في الميزان الخارجي للاقتصاد.
وفي السياق ذاته، قدّرت الحكومة السعودية العجز المالي عند 165 مليار ريال هذا العام، بما يعادل 3.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 276.6 مليار ريال في العام الماضي، مع الإشارة إلى استمرار دعم الإيرادات الحكومية من أسعار النفط وتحسن التصدير.
استمرار التفوق النسبي رغم خفض التوقعات
ورغم خفض تقديرات النمو بنحو 1.2 إلى 1.4 نقطة مئوية، فإن التقارير الدولية تؤكد استمرار تفوق الاقتصاد السعودي على مستوى الخليج، مع توقع تراجع النمو من 4.3 في المائة في 2025 إلى 3.1 في المائة في 2026، دون فقدان موقعه الريادي في المنطقة.
ويعزو «البنك الدولي» هذا الأداء إلى مرونة الاقتصاد وقدرته على التكيف مع الصدمات، إضافة إلى البنية التحتية التي تتيح تصدير النفط عبر البحر الأحمر، ما يقلل الاعتماد على الممرات البحرية الأكثر اضطرابًا.
تعكس المؤشرات الدولية مجتمعة أن الاقتصاد السعودي تمكن من الحفاظ على موقعه المتقدم في المنطقة رغم الضغوط العالمية، مستندًا إلى بنية تصدير مرنة وبيئة مالية قادرة على امتصاص الصدمات، ما جعله الأكثر استقرارًا بين اقتصادات الخليج في مرحلة تتسم بتقلبات جيوسياسية واقتصادية متسارعة.

