تكشف كواليس صنع القرار في واشنطن عن تباينات لافتة داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن تقييم مجريات الحرب مع إيران، في وقت تُقدَّم فيه رواية رسمية متفائلة عن الأداء العسكري.
وبينما يؤكد قادة البنتاغون أن الوضع تحت السيطرة، تثير تساؤلات نائب الرئيس جي دي فانس مخاوف أعمق تتعلق باستنزاف القدرات العسكرية الأمريكية ومستقبل جاهزيتها.
تشكيك في الرواية العسكرية الرسمية
أفاد مسؤولون أمريكيون بأن نائب الرئيس جي دي فانس أبدى خلال اجتماعات مغلقة شكوكًا متكررة بشأن دقة تقييمات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لسير الحرب مع إيران، متسائلًا عما إذا كانت تلك التقديرات تقلل من حجم الاستنزاف الفعلي لمخزونات الصواريخ.
وبحسب ما نقلته ذا أتلانتك، لم تقتصر تساؤلات فانس على الجانب العملياتي، بل امتدت إلى مدى توفر بعض أنظمة الصواريخ، وهو ما طرحه خلال مناقشاته مع الرئيس دونالد ترمب.
وأكد مستشارون مقربون من فانس أن ملاحظاته جاءت في إطار “مخاوف شخصية”، دون اتهام مباشر لقيادات البنتاغون بتضليل الرئيس، في محاولة لتجنب خلق انقسامات داخل فريق الأمن القومي.
تفاؤل البنتاغون يقابله قلق داخلي
في المقابل، يتمسك وزير الدفاع بيت هيجسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين برواية إيجابية، مؤكدين أن المخزونات العسكرية الأمريكية لا تزال عند مستويات مرتفعة، وأن الضربات التي تعرضت لها إيران خلال الأسابيع الأولى من الحرب كانت “كبيرة للغاية”.
غير أن بعض المقربين من فانس يرون أن هذا التقييم “إيجابي إلى حد قد يكون مضللًا”، خاصة في ظل تقارير داخلية تشير إلى واقع مغاير.
وأشار مسؤول سابق في إدارة ترمب إلى أن أسلوب هيجسيث الإعلامي قد يكون موجَّهًا لإرضاء الرئيس، لافتًا إلى توقيت المؤتمرات الصحافية الصباحية التي تتزامن مع متابعة ترمب لقناة Fox News.
تقديرات استخباراتية مقلقة
تُظهر تقييمات استخباراتية داخلية، بحسب مصادر مطلعة، أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة، تشمل نحو ثلثي سلاحها الجوي ومعظم منظوماتها الصاروخية، إلى جانب زوارق سريعة قادرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
كما أشارت التقارير إلى أن طهران أعادت تشغيل جزء كبير من منصات إطلاق الصواريخ، حيث أصبح نحو نصفها جاهزًا للعمل بعد وقف إطلاق النار الأولي.
ويرى مطلعون أن هذه القدرات تمثل التهديد الحقيقي، خصوصًا فيما يتعلق بإمكانية استئناف حركة التجارة البحرية.
استنزاف الذخائر يثير القلق
وفقًا لمسؤولين ومستشارين، أدى الاستخدام المكثف للأسلحة، بما في ذلك صواريخ “توماهوك” وأنظمة الاعتراض الدفاعية، إلى نقص حاد في بعض أنواع الذخائر، ما يثير مخاوف بشأن قدرة الولايات المتحدة على خوض صراعات مستقبلية.
وأشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الولايات المتحدة ربما استهلكت أكثر من نصف مخزونها قبل الحرب من أربعة أنواع رئيسية من الذخائر.
وتُظهر التقديرات أن هذه المخزونات كانت بالفعل تحت ضغط قبل اندلاع الحرب، نتيجة بطء الإنتاج وتقديم الدعم العسكري لكل من أوكرانيا وإسرائيل.
تداعيات استراتيجية أوسع
تتجاوز المخاوف حدود الحرب الحالية، إذ يخشى مسؤولون أن يؤثر تراجع المخزونات على قدرة الجيش الأمريكي في الدفاع عن حلفائه في مناطق حساسة مثل تايوان وكوريا الجنوبية وأوروبا.
في المقابل، يؤكد المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، أن القيادة العسكرية تقدم “صورة كاملة وشفافة” للرئيس، بينما شدد مسؤولون آخرون على دقة تقييمات القيادة العسكرية.
توازنات سياسية داخل الإدارة
تكشف هذه التباينات عن توازنات دقيقة داخل فريق الأمن القومي، الذي يضم إلى جانب فانس وهيجسيث، وزير الخارجية ماركو روبيو وكبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز.
ووصف مسؤول في الإدارة هذه الاختلافات بأنها “توتر صحي”، يعكس تنوع وجهات النظر داخل الفريق.
في الوقت نفسه، يواجه فانس معادلة معقدة بين مواقفه السابقة المعارضة لما يُعرف بـ”الحروب الأبدية”، وطموحاته السياسية المستقبلية، بما في ذلك احتمال ترشحه للانتخابات الرئاسية في 2028.
تعكس الخلافات داخل الإدارة الأمريكية بشأن تقييم حرب إيران صورة أعمق من مجرد تباين في الآراء، إذ تكشف عن تحديات استراتيجية تتعلق بجاهزية الجيش الأمريكي ومستقبل توازناته العسكرية. وبين رواية رسمية متفائلة وتحذيرات غير معلنة، يبقى السؤال مفتوحًا حول الكلفة الحقيقية للحرب وما إذا كانت تداعياتها ستتجاوز حدود الشرق الأوسط.

