فاطمة آل دبيس – الرياض
تتحول الشاشات الذكية يوميًا إلى ساحات مفتوحة لممارسات تثير الكثير من الجدل تحت غطاء التفاعل الافتراضي، حيث تختلط مفاهيم الترفيه بالاستجداء المالي المبطن.
في هذا السياق، يبرز التكييف القانوني الحازم ليضع حدًا للممارسات التي تتوارى خلف مصطلحات برّاقة مثل «الدعم»، كاشفًا عن الوجه الحقيقي لجريمة مكتملة الأركان متى ما لامست حدود استنزاف أموال المتابعين.
ويرى المحامي بندر المغامس، أن ما يُتداول في بثوث منصة «تيك توك» تحت مسمى «الدعم» يثير إشكالات قانونية دقيقة تستدعي التوضيح الحاسم، لاسيما عندما يتجاوز هذا المفهوم حدود التفاعل المعنوي إلى طلب الأموال بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويوضح المغامس في تصريحات خاصة إلى «الوئام»، أن إطلاق عبارة «الدعم» بصيغتها الدارجة في الأوساط الرقمية لا يغيّر إطلاقًا من الوصف النظامي للفعل، مشيرًا إلى أنه إذا كان المقصود بهذه العبارة طلب المال، فإنها تندرج فورًا تحت مظلة طلب المساعدات المالية، وهو ما يقود في حال تحققه إلى توصيف الفعل كحالة «تسول» صريحة وفق الأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية.
ويبيّن المحامي الفارق الدقيق في هذا السياق، موضحًا أن التفاعل الذي يقتصر على الإعجابات أو زيادة أرقام المشاهدات دون أي تحويل لأموال، يدخل في نطاق التحديات أو التفاعل الرقمي المعتاد ولا يترتب عليه وصف مخالف.
غير أن الاستجداء المالي عبر البثوث المباشرة أو وسائل التقنية الحديثة يُعد صورة من صور التسول المجرمة، متى ما تحققت أركانه النظامية.
ويؤكد المغامس أن الفقرة الخامسة من المادة الأولى من نظام مكافحة التسول قطعت الشك باليقين، إذ عرّفت المتسول بأنه كل من يستجدي للحصول على مال الغير دون مقابل، أو بمقابل غير مقصود بذاته، سواء كان ذلك نقدًا أو عينًا، وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بما يشمل صراحةً وسائل التقنية والتواصل الحديثة.
وتعزيزًا للردع، توضح الفقرة السادسة من المادة ذاتها أن ممتهن التسول هو كل من يُقبض عليه للمرة الثانية أو أكثر وهو يمارس هذا الفعل المجرم، حيث يقوم التفريق النظامي بين من يُضبط للمرة الأولى، وبين من يتكرر ضبطه ليُعد ممتهنًا للتسول وتطبق بحقه العقوبات المشددة. ويشير المغامس إلى أن المادة الثانية من النظام نصت صراحةً على حظر التسول بجميع صوره وأشكاله، مهما كانت مبرراته.
وفيما يخص الردع القانوني، تحدد الفقرة الأولى من المادة الخامسة العقوبات المقررة، والتي تشمل السجن لمدة لا تزيد على 6 أشهر، أو غرامة مالية لا تتجاوز 50 ألف ريال، أو إيقاع كلتا العقوبتين معًا بحق كل من امتهن التسول أو حرّض عليه أو ساعد فيه بأي وسيلة كانت.
ويعكس التضمين الصريح لـ «وسائل التقنية الحديثة» في نصوص نظام مكافحة التسول، مرونة المشرّع السعودي واستباقيته في سد الثغرات القانونية التي قد يفرزها الفضاء السيبراني. فهذا الشمول يضمن عدم إفلات مرتكبي هذه التجاوزات من العقاب لمجرد تغيير مسرح المخالفة من الساحات العامة إلى المنصات الافتراضية، مما يكرس حماية المجتمع من كل أشكال الاستغلال المادي المنظم.
الآداب العامة ومقصال الغرامات الإعلامية
وفي بُعد قانوني آخر يتقاطع مع هذه الظاهرة، يلفت المغامس إلى أن المحتوى الإعلامي الرقمي يخضع كذلك لصرامة نظام المطبوعات والنشر، حيث توجب الفقرة الأولى من المادة التاسعة الالتزام التام بالنقد الموضوعي والبناء، وتمنع بشكل قاطع نشر أي محتوى يخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو الأنظمة النافذة.
كما يشدد المغامس على الدور المحوري للهيئة العامة لتنظيم الإعلام، والتي تختص برصد وضبط المخالفات الإعلامية في منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك المحتوى المخل بالآداب العامة أو المتضمن للغة مبتذلة أو ظهور غير محتشم.
ويوضح أن الفقرة 13 من المادة الخامسة من نظام الإعلام المرئي والمسموع تنص على حظر عرض أي محتوى يخل بالآداب العامة أو يثير الغرائز أو يستخدم ألفاظًا غير لائقة.
وتصل العقوبات الإعلامية في هذا الشأن إلى غرامات مالية باهظة تبلغ نصف مليون ريال، إضافة إلى المنع من الظهور الإعلامي أو حذف الحساب بشكل نهائي، بحسب جسامة المخالفة المقترفة.
ويختتم المغامس قراءته القانونية بالتأكيد على أهمية الدور التكاملي للجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة الداخلية في ضبط جرائم التسول بكل أشكالها، والهيئة العامة لتنظيم الإعلام في متابعة المخالفات الإعلامية وتطبيق النظام.
ويدعو المجتمع إلى التحلي بالمسؤولية من خلال عدم إعادة نشر المحتوى المخالف أو الترويج له بأي شكل، والمبادرة بالإبلاغ عنه عبر القنوات الرسمية، بما يسهم بفعالية في الحد من هذه الممارسات وتعزيز بيئة إعلامية ورقمية منضبطة وآمنة.

