سلمان الشريدة
في زمن تتسارع فيه المنصات الرقمية وتتسع دوائر التأثير، لم تعد حرية التعبير مجرد حق يُمارس، بل مسؤولية تُختبر يوميًا أمام المجتمع والقانون.
وما جرى مؤخرًا يعيد طرح السؤال الجوهري: أين ينتهي الحق في التعبير، وأين تبدأ حدود التجاوز؟
من حيث المبدأ، كفلت الدولة حرية التعبير باعتبارها أحد ركائز المجتمع الحيوي، وأحد أدوات الوعي والمشاركة. لكنها في الوقت ذاته وضعت إطارًا نظاميًا واضحًا يوازن بين هذه الحرية وحق الإنسان في الكرامة وصون سمعته وحياته الخاصة.
فليست كل عبارة تُقال تُعد رأيًا، وليست كل منصة مفتوحة ساحة مباحة للإساءة أو التنمر أو الإسقاطات.
الفارق الجوهري هنا يكمن في “القصد” و”الأثر”؛ فالتعبير المسؤول يطرح فكرة، يناقش قضية، أو يختلف مع رأي، دون أن ينزلق إلى التجريح أو التعدي على الأشخاص أو الأُسر.
أما التجاوز، فهو حين تتحول حرية التعبير إلى أداة للإساءة، أو وسيلة للنيل من الآخرين عبر ألفاظ نابية، أو إيحاءات عنصرية، أو تشكيك غير مستند إلى حقائق.
ما شهدناه يعكس نمطًا مقلقًا من “التضخم الرقمي للإساءة”، حيث تتسع دائرة التفاعل ليس لطرح رأي، بل لتكريس موجة من الهجوم الجماعي، أحيانًا بدوافع شخصية أو حسابات غير معلنة، وأحيانًا أخرى مدفوعة برغبة في لفت الانتباه على حساب القيم. وهنا تبرز خطورة “تطبيع الإساءة”، حين تصبح مقبولة في أعين البعض تحت غطاء حرية التعبير.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة. فوعي المجتمع اليوم بات أكثر نضجًا، وأقدر على التمييز بين الرأي المسؤول والتجاوز المرفوض.
وقد أثبتت ردود الفعل أن هناك رفضًا واسعًا لمثل هذه الممارسات، وميلًا واضحًا نحو الطرح العقلاني المبني على الحقائق والمعرفة، بعيدًا عن الانسياق خلف الأكاذيب أو الإشاعات أو الخرافات أو الأحكام المسبقة.
هذا التحول يعكس تطورًا مهمًا في الوعي الجمعي، ويؤكد أن المجتمع لم يعد بيئة خصبة لترويج الإساءة أو تضخيمها، بل بات أكثر انحيازًا للقيم المنضبطة والحوار الرصين.
غير أن الدولة، وهي تحرص على تعزيز بيئة إعلامية منفتحة، لا تتهاون في حماية كرامة الإنسان. فالنصوص النظامية واضحة في تجريم الإساءة والتشهير وخطاب الكراهية، وتمنح المتضرر حق اللجوء إلى القضاء، بما يكفل رد الاعتبار ومحاسبة المتجاوز. وهذا التوازن ليس تقييدًا للحرية، بل حماية لها من أن تتحول إلى فوضى.
كما أن المسؤولية لا تقع على الجهات التنظيمية وحدها، بل تمتد إلى الأفراد. فالمستخدم اليوم ليس متلقيًا فقط، بل ناشرًا ومؤثرًا. وكل ما يُكتب أو يُنشر يترك أثرًا، إما أن يضيف وعيًا أو يكرّس انحدارًا.
ومن هنا، فإن الوعي القانوني والأخلاقي يجب أن يواكب هذا التحول، بحيث يدرك كل فرد أن الحرية تقترن بالمساءلة.
أخيراً، لا يمكن بناء فضاء إعلامي صحي إلا على قاعدة: حرية التعبير حق أصيل، لكنها لا تبرر الإساءة، وكرامة الإنسان خط أحمر لا يُسمح بتجاوزه تحت أي مبرر. وبين الحق والتجاوز، تقف الدولة حارسًا للميزان، فيما يواصل المجتمع ترسيخ وعيه، منحازًا للعلم والمنطق، ورافضًا لكل ما يسيء لقيمه أو يهدد تماسكه.

