يشهد قطاع صناعة السيارات العالمي تحولات متسارعة في توجهاته الاستراتيجية، بعد فترة قصيرة لم تتجاوز خمس سنوات كانت خلالها العديد من الشركات الكبرى قد تبنت خططاً طموحة للانتقال الكامل نحو السيارات الكهربائية، إلا أن هذه الطموحات بدأت تتراجع تدريجياً في المرحلة الراهنة، في ظل انخفاض الحوافز الحكومية، وتباطؤ معدلات المبيعات، وتراجع الطلب الفعلي في عدد من الأسواق الرئيسية.
وقد اتجهت بعض شركات صناعة السيارات إلى إلغاء مشاريعها المرتبطة بالمركبات الكهربائية بالكامل، بل إن بعض هذه المشاريع أُوقف قبل دخوله مرحلة الإنتاج أو طرحه رسمياً في الأسواق.
وفي هذا السياق، بدأت شركات مثل «هوندا» و«أكورا» في إعادة ضبط خططها الخاصة بإطلاق طرازات كهربائية جديدة، بينما تعمل شركات أخرى مثل «بي إم دبليو» و«هيونداي» على مراجعة استراتيجياتها طويلة المدى في هذا القطاع، بما يتناسب مع المتغيرات الحالية في السوق.
وتشير تقديرات وتقارير صناعية إلى أن أكثر من عشر سيارات كهربائية مرشحة للخروج من خطوط الإنتاج قبل عام 2027، حيث إن بعضها موجود بالفعل في الأسواق، لكنه لن يستمر ضمن الأجيال المقبلة، في حين تم إلغاء بعض الطرازات قبل وصولها إلى مرحلة الإطلاق الرسمي.
تتعدد العوامل التي تقف خلف هذا التحول، ويمكن تلخيص أبرزها في انخفاض الطلب الفعلي على السيارات الكهربائية مقارنة بالتوقعات السابقة، وارتفاع تكاليف الإنتاج والتطوير، إلى جانب تغير السياسات الحكومية المتعلقة بالحوافز والدعم، فضلاً عن اشتداد المنافسة داخل السوق العالمي. كما ساهم عدم تحقيق بعض الطرازات للأداء البيعي المتوقع في دفع الشركات إلى تقليص المخاطر وإعادة توجيه استثماراتها نحو مشاريع أكثر استقراراً وربحية.
أقدمت «هوندا» على إلغاء مشروع السيارة الكهربائية «أكورا RSX EV» قبل بدء إنتاجها، رغم أنها كانت في مراحل متقدمة من التطوير، وذلك نتيجة التغيرات في ديناميكيات السوق. وكان من المخطط أن تأتي السيارة بنظام دفع رباعي ومحركين كهربائيين ومواصفات رياضية متقدمة، لكنها لم تتجاوز مرحلة النماذج الأولية.
وبالمثل، تم إيقاف مشروعي «هوندا 0 سيريز سيدان» و«هوندا 0 سيريز SUV» قبل دخولهما خط الإنتاج، في ظل تباطؤ انتشار السيارات الكهربائية في السوق الأميركية مقارنة بالتوقعات الأولية، وهو ما دفع الشركة إلى تجنب مخاطر مالية طويلة الأمد في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
وتُعد سيارة «بي إم دبليو i4» من الطرازات التي باتت تقترب من نهاية دورة حياتها السوقية، مع توجه الشركة إلى استبدالها بطراز «بي إم دبليو i3» الذي يُتوقع أن يمثل الجيل الجديد ضمن منظومة الشركة الكهربائية.
ورغم حصول «i4» على تحديثات حديثة، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية وقف إنتاجها خلال الفترة القريبة المقبلة، مع احتمال إعادة تقديمها لاحقاً ضمن جيل جديد يعتمد على منصة مختلفة.
كما بدأت الشركة في إعادة هيكلة خط إنتاجها الكهربائي مع إطلاق طراز «iX3» الجديد، ما أدى إلى تقليص أو إنهاء بعض الطرازات الأخرى في السوق الأميركية، ضمن خطة التحول إلى مجموعة «نيو كلاس» التي تمثل الجيل المستقبلي لسياراتها.
فيما يتعلق بـ«شيفروليه»، فقد توقفت الشركة عن إنتاج طراز «بولت» في نهاية عام 2023، قبل أن تعيد طرحه لفترة محدودة. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن إنتاجه لن يستمر بعد منتصف عام 2027، حيث يُتوقع إيقافه مجدداً ضمن خطة إعادة الهيكلة.
قررت «هيونداي» عدم إيقاف طراز «كونا إلكتريك» بشكل نهائي، لكنها قامت بتخطي موديل عام 2026 نتيجة توفر مخزون كافٍ من النسخ السابقة، مع استمرار الاعتماد على الجيل الجديد الذي تم إطلاقه مؤخراً.
أما «كيا»، فقد تأثرت بعض طرازاتها بالتغيرات السوقية، حيث تم تأجيل طرح «كيا EV6 GT» إلى عام 2026 بسبب الرسوم الجمركية وتباطؤ الطلب وانتهاء الحوافز، رغم حصولها على تحديثات تقنية كبيرة خلال الفترة الأخيرة.
كما أوقفت الشركة إنتاج «كيا نيرو EV» مع استمرار بيع المخزون المتاح، بعد مسيرة بدأت منذ عام 2018 وتطورت عبر عدة تحديثات، لتبقى ضمن الطرازات التي ساهمت في ترسيخ حضور العلامة في سوق السيارات الكهربائية.
وفي قطاع السيارات الفاخرة، أعلنت «لامبورغيني» إلغاء مشروع أول سيارة كهربائية لها، بعد سنوات من التطوير التي انطلقت مع نموذج «لانزادور»، والذي كان من المخطط أن يشكل خطوة انتقالية نحو إنتاج سيارة كهربائية رياضية عالية الأداء.
وقد تأجل المشروع أكثر من مرة قبل أن يتم تجميده عملياً، في ظل إعلان الشركة أن الطلب على السيارات الكهربائية ضمن قاعدة عملائها لا يزال محدوداً، ما يجعل الاستثمار في هذا الاتجاه أقل جدوى في الوقت الحالي.
يعكس هذا التحول حالة إعادة تقييم شاملة داخل صناعة السيارات العالمية، حيث لم تعد الكهربة هدفاً مطلقاً، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية أكثر توازناً تأخذ في الاعتبار الطلب الفعلي، والتكاليف، واستقرار الأسواق، وهو ما يعيد رسم خريطة المنافسة في هذا القطاع خلال السنوات المقبلة.

