لم يعد تنظيم موسم الحج يعتمد فقط على الخطط الميدانية التقليدية، أو انتشار فرق الأمن والخدمات في المشاعر المقدسة، بل بات يدخل مرحلة جديدة عنوانها الأوسع: إدارة الحشود بالبيانات. ففي موسم حج 1447هـ، توسّع السعودية استخدام الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية الذكية لتحويل رحلة الملايين من الحجاج إلى منظومة أكثر انسيابية، تبدأ قبل الوصول إلى المملكة، وتستمر حتى مغادرة الحاج بعد أداء المناسك.
الزاوية الأبرز في هذا التحول أن التقنية لا تظهر للحاج بالضرورة كأداة مباشرة، لكنها تعمل في الخلفية لتقليل الازدحام، وتسريع التدخلات، وتحسين جودة القرار داخل واحد من أكبر التجمعات البشرية السنوية في العالم. فبدل التعامل مع الكثافة البشرية بعد وقوع الاختناق، تعتمد الجهات السعودية على أنظمة قادرة على قراءة المشهد لحظيًا، وتحليل حركة الحشود، واستشراف نقاط الضغط قبل أن تتحول إلى أزمة تشغيلية.
وتقود الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» هذا المسار عبر منصات وخدمات رقمية مدمجة ترافق رحلة الحاج في مراحلها المختلفة، من إجراءات السفر في بلده، إلى الدخول للمملكة، ثم التنقل بين مكة والمشاعر المقدسة، وصولًا إلى خدمات الإرشاد والطوارئ والمغادرة.
في قلب هذه المنظومة تظهر منصات مثل بصير وسواهر، المطورة بالتعاون مع وزارة الداخلية، والتي تعتمد على الرؤية الحاسوبية والتصوير الحراري وتحليل الفيديوهات والبيانات الحية لمراقبة كثافة الحشود وأنماط الحركة في محيط المسجد الحرام ومشاعر منى وعرفات ومزدلفة. الهدف هنا ليس فقط الرصد، بل دعم القرار السريع عند ظهور مؤشرات ازدحام أو تغير مفاجئ في مسارات الحركة.
وتكشف هذه التقنيات عن تحول مهم في إدارة الحج: من نموذج يعتمد على الاستجابة بعد حدوث التكدس، إلى نموذج أكثر استباقية، يحاول التنبؤ بالتدفقات البشرية وتوجيه الموارد قبل تفاقم الضغط. ومع وجود ملايين الحجاج من جنسيات ولغات مختلفة، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة تنظيمية بقدر ما هو أداة أمنية وخدمية.
ولا يقتصر الحضور الرقمي على غرف التحكم والمراقبة، بل يمتد إلى التواصل المباشر مع الحجاج. فقد جرى نشر روبوت ذكي متعدد الخدمات لتقديم الإرشاد الديني والمعلومات الخدمية والترجمة الفورية بعدة لغات، بما يساعد الزائرين على الوصول إلى المعلومات وفهم التعليمات داخل الحرمين الشريفين بطريقة أسرع وأكثر تفاعلًا.
أما قبل الوصول إلى الأراضي السعودية، فتبرز مبادرة طريق مكة باعتبارها نموذجًا لتقليل الزحام الإداري عند الوصول، إذ استفاد منها أكثر من 1.5 مليون حاج عبر إجراءات رقمية تشمل التحقق الحيوي ومعالجة بيانات السفر والتذاكر، وذلك من خلال 17 مطارًا في 10 دول. وبهذا يصبح جزء كبير من رحلة الحج منظمًا رقميًا قبل أن تطأ أقدام الحجاج أرض المملكة.
وفي الجانب الخدمي اليومي، تلعب تطبيقات مثل توكلنا ونسك دورًا محوريًا خلال الموسم، عبر أكثر من 1300 خدمة رقمية تشمل تصاريح الحج، والملاحة، وتحديثات الطقس، وطلبات الإسعاف، وخدمات الطوارئ، وتحديد اتجاه القبلة، إلى جانب بطاقة نسك الرقمية التي تضم بيانات مهمة مثل السجل الطبي ومعلومات التواصل في الحالات الطارئة.
هذه التفاصيل تعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد عنوان دعائي في موسم الحج، بل تحول إلى طبقة تشغيلية تربط بين الأمن والنقل والصحة والإرشاد والخدمات الرقمية. فكل معلومة يجري تحليلها، وكل حركة يتم رصدها، وكل خدمة تقدم عبر التطبيق، تصبح جزءًا من شبكة أوسع هدفها تقليل المخاطر ورفع كفاءة التجربة.
وتعكس هذه الخطوات أيضًا ارتباط موسم الحج برؤية أوسع لدى السعودية في مجال التحول الرقمي والحوكمة الذكية، خاصة مع الاستثمار المتزايد في البنية التحتية للمدن الذكية في مكة والمدينة. فالحج هنا لا يمثل فقط تحديًا سنويًا لإدارة الحشود، بل منصة اختبار كبرى لقدرة التكنولوجيا على خدمة الإنسان في أكثر البيئات ازدحامًا وحساسية.
وبينما يظل البعد الروحي هو جوهر رحلة الحج، فإن ما يحدث خلف الكواليس يوضح أن تجربة الحاج باتت تُدار بعقل رقمي متقدم؛ يرى الازدحام قبل أن يتفاقم، ويتابع الحالات قبل أن تتعقد، ويختصر الإجراءات قبل الوصول، ليصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا صامتًا في تنظيم رحلة إيمانية كبرى.

