يواجه ما يزيد على 24% من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية تراجعًا إدراكيًا يؤثر على وظائف الانتباه والتركيز وأداء المهام المتعددة. وتظهر هذه التراجعات المزعجة حتى عند الالتزام التام بتناول الأدوية المثبطة للفيروس، مما ينعكس سلبًا على جودة الحياة اليومية للمرضى.
تكشف دراسة طبية مبكرة نُشرت في الخامس من يونيو في دورية «ميد» عن مسار علاجي غير متوقع يعتمد على مضادات الفيروسات المخصصة للإنفلونزا لعكس علامات هذه الشيخوخة المعرفية المتسارعة.
ومع تطور العلاجات المضادة للفيروسات القهقرية، أصبح بإمكان مرضى الإيدز عيش حياة تقارب في طواها أعمار غير المصابين، حيث يتجاوز نصف المرضى في الولايات المتحدة حاليًا سن الخمسين.
غير أن محمد عبد المحسن، الأستاذ المشارك في كلية الطب بجامعة نورث وسترن والمؤلف المشارك للدراسة، يؤكد أن امتداد العمر لا يرافقه بالضرورة احتفاظ مماثل بـ«فترة الصحة».
فالفيروس يترك وراءه حالة من الالتهاب المزمن منخفض الدرجة، والذي يستمر في إتلاف الخلايا بمرور الوقت دون أن يتوقف.
حراس الالتهاب المفقودون
يُفسر الباحثون هذا التراجع من خلال جزيئات سكرية تُعرف باسم «الجليكانات»، والتي ترتبط بالبروتينات والدهون في مجرى الدم لتعمل كعلامات ترشد الجزيئات المناعية وتكبح جماح الالتهابات.
ومع التقدم في العمر، أو في حالة الإصابة بعدوى مزمنة كالإيدز، ترتفع مستويات الإنزيمات التي تكسر هذه السكريات.
وقد أظهر تحليل عينات دم تعود لأكثر من مئة مريض بالإيدز فقدانًا ملحوظًا في نوعين من الجليكانات الأساسية للسيطرة على الالتهاب، وهما حمض السياليك والجالاكتوز.
وارتبط هذا النقص بشكل وثيق مع درجة التدهور المعرفي لدى المرضى، وظهر بصورة أكثر حدة لدى النساء بشكل خاص.
تجارب معملية حاسمة
للربط بين هذا النقص وضعف الإدراك، لجأ الفريق العلمي إلى فئة من الأدوية تُسمى مثبطات السياليداز، والتي تضم عقار «تاميفلو» الشهير المعالج للإنفلونزا.
تعمل هذه الأدوية على تعطيل الإنزيمات التي تهاجم حمض السياليك، وهي الآلية ذاتها التي تستخدمها فيروسات الإنفلونزا لاختراق الخلايا ونشر العدوى في الجسد.
وعند اختبار هذه الفرضية على نماذج فئران مختبرية مصابة بعدوى تحاكي الإيدز، نجحت أدوية الإنفلونزا في الحفاظ على مستويات حمض السياليك بشكل فعال.
وأسهم هذا التدخل في خفض الالتهابات الناتجة عن العدوى الفيروسية، وترافق مع تحسن ملموس في الأداء المعرفي والوقاية من عجز الذاكرة لدى الفئران.
الطب الدقيق مستقبلًا
لا يتمثل الهدف النهائي للدراسة في وصف عقار «تاميفلو» لجميع مرضى الإيدز، بل في تحديد مركبات طبية قادرة على حماية الجليكانات من التحلل أو تعويض المفقود منها.
ويرى الدكتور آلان وينستون، أستاذ طب الإيدز في إمبريال كوليدج لندن والذي لم يشارك في الدراسة، أن هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام نهج «الطب الدقيق».
ويعتمد هذا النهج مستقبلًا على فحص مستويات الجليكانات لدى كل مريض على حدة، وتوجيه العلاج المناسب بدقة لمن يعانون من نقصها للسيطرة على التدهور المعرفي من جذوره.

