مررت قبل أيام بمقطع قصير للاستاذة مها القحطاني في منصة أكس تتحدث عن شيء سمّته “متلازمة انتظار بدء الحياة”، وقفت كثيراً عند هذا المقطع لأن ما قالته لم يكن معلومة جديدة بقدر ما كان مرآة.
هذا المصطلح أطلقه عالم النفس الروسي البروفيسور سيركين عام 1997 حين لاحظ نمطاً متكرراً لدى أناس يعيشون في مناطق قاسية وينتظرون سنوات الانتقال إلى مكان أفضل ليبدأوا حياتهم الحقيقية، لكن ما اكتشفه أن المشكلة لم تكن في المكان.
الإنسان حين يؤجل حياته لا يشعر أنه يؤجلها. يشعر أنه يرتب ويصبر ويتعقل. يضع شرطاً معقولاً ويقول حين يتحقق سأبدأ. وحين يتحقق يجد شرطاً آخر لم يكن يراه من قبل ويقول نفس الجملة من جديد.
وهكذا تمضي السنوات والحياة لا تبدأ، لا لأن الظروف لم تكتمل بل لأن الشرط كان من البداية طريقة للهروب لا للتحضير، وما يجعل هذا الهروب صعب الاكتشاف أن التخيل نفسه يمنح الإنسان شعوراً حقيقياً بالمتعة، الدماغ يُفرز الدوبامين استجابةً لأحداث لم تقع بعد، فيصبح الحلم مريحاً لدرجة تجعل الواقع يبدو أقل مما ينبغي أن ينتظره.
فيكتور فرانكل عاش هذا من جهته الأشد قسوة، داخل معسكرات الإبادة النازية لاحظ أن من انهاروا أولاً لم يكونوا من عانوا أكثر، بل كانوا من فقدوا صلتهم بلحظتهم الراهنة وعلّقوا بقاءهم على شيء خارجها.
حين تفرغ اللحظة الحاضرة من معناها تصبح ثقيلة لا يُحتمل حملها مهما كانت ظروفها، والإنسان الذي لا يجد معنى فيما هو فيه الآن لن يجده حين تتغير الظروف، لأن المشكلة لم تكن في الظروف.
والأخطر من انتظار الظرف هو انتظار الشخص. كثيرون لا ينتظرون فرصة، ينتظرون من سيأتي ويمنحهم الإذن بأن يكونوا بخير، من سيرى فيهم ما عجزوا هم عن رؤيته في أنفسهم.
ألفريد أدلر كان يرى أن اختراع شخصية المنقذ ليس ضعفاً عاطفياً، هو قرار لا واعٍ بالتهرب من سؤال ثقيل، لأن انتظار من ينقذك أهون نفسياً من الاعتراف بأنك أنت من يملك المفتاح ولم تستخدمه بعد.
الفارق بين من يعيش ومن يؤجل ليس في الظروف. كثيرون بنوا حياتهم من لا شيء وكثيرون أضاعوها وهم يملكون كل شيء، الفارق في سؤال واحد يسأله كل منهما في الصباح. أحدهم يسأل ماذا أملك الآن وكيف أبني عليه، والآخر يسأل ماذا ينقصني حتى أبدأ. والثاني لن يجد إجابة تُرضيه، لأن من اعتاد أن ينتظر سيجد دائماً ما ينتظره.
انقلوها عني ( الحياة لا تبدأ حين تكتمل الظروف، هي بدأت منذ زمن وأنت تنتظر).

