في مشهدٍ يعكس واحدة من أطول رحلات التحول التنموي في المنطقة، يبرز قطاع المياه في السعودية كقصة بناء ممتدة بدأت من موارد محدودة وتحديات بيئية قاسية، وصولًا إلى منظومة متكاملة تقود اليوم مؤشرات الاستدامة المائية إقليميًا ودوليًا، وذلك تزامنًا مع انطلاق أسبوع المياه السعودي في جدة خلال الفترة من 28 يونيو إلى 2 يوليو 2026.
وتعود الانطلاقة الأولى إلى عام 1932م، حين بادر الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود –طيب الله ثراه– باستقطاب خبراء دوليين لإجراء دراسات جيولوجية حول المياه والتكوينات المائية في المملكة، في خطوة مبكرة لتأسيس فهم علمي للموارد الطبيعية.
وفي عام 1947م، شهدت المملكة حفر الآبار على امتداد خط التابلاين، إلى جانب تأسيس “المديرية العامة للزراعة” التي تولت مهام استصلاح الأراضي وتحسين الري وتوزيع مضخات المياه وبناء السدود والقنوات وحفر الآبار.
وفي عام 1953م، تحولت المديرية إلى وزارة الزراعة والمياه، مع إنشاء مكتب متخصص للمياه والسدود، وبداية تشغيل شبكة للرصد الهيدرولوجي، في خطوة شكلت انتقالًا نحو العمل المؤسسي المنظم.
مرحلة التأسيس المؤسسي
وفي عام 1961م، أُنشئت وكالة الوزارة لشؤون المياه، بما مثّل أول إطار إداري متخصص لإدارة القطاع بشكل مستقل نسبيًا.
وشهد عام 1965م إنشاء إدارة عامة لتحلية المياه المالحة في جدة، وإطلاق محطات تحلية في جدة والمنطقة الشرقية، بالتوازي مع الاستعانة بشركات استشارية عالمية لإجراء دراسات المياه الجوفية والسطحية.
وفي عام 1968م، تطورت تقنيات الحفر بشكل كبير، ما أسهم في بدء حفر الآبار العميقة، وتوسع مشاريع المياه في مختلف مناطق المملكة.
أما عام 1969م، فقد شهد تطوير شبكة الرصد الهيدرولوجي بشكل موسع، في خطوة عززت قدرة الدولة على مراقبة الموارد المائية وتحليلها.
التوسع في التحلية والبنية التحتية
وفي عام 1974م، تم إنشاء المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، لتصبح نقطة تحول استراتيجية في أمن المياه.
وفي عام 1979م، أُنشئت شبكة خطوط نقل المياه المحلاة لتغطية الطلب المتزايد في المناطق الداخلية، بما عزز الربط بين مصادر الإنتاج ومناطق الاستهلاك.
وفي عام 1984م، صدر “أطلس المياه في المملكة العربية السعودية” كمرجع وطني شامل للثروة المائية.
وفي عام 1992م، جرى تحديث الشبكة الهيدرولوجية وزيادة محطاتها بما يعزز دقة البيانات المائية.
التحول المؤسسي في الألفية ورؤية 2030
وفي عام 2003م، أُسست شركة الماء والكهرباء (التي أصبحت لاحقًا الشركة السعودية للشراكات المائية)، إيذانًا بمرحلة الشراكات في إدارة الموارد.
وفي عام 2008م، تأسست شركة المياه الوطنية لتقديم خدمات المياه والصرف الصحي وفق معايير تشغيلية حديثة.
ومع انطلاق رؤية المملكة 2030، شهد عام 2018م تأسيس المؤسسة العامة للري، إلى جانب اعتماد الإستراتيجية الوطنية للمياه 2030 كمرجعية تنظيمية شاملة للقطاع.
وفي عام 2019م، تم إنشاء شركة نقل وتقنيات المياه، لتعزيز كفاءة البنية التحتية ونقل المياه.
بناء المنظومة الحديثة والحوكمة
وفي عام 2020م، صدر أول نظام شامل للمياه لتنظيم القطاع وحماية الموارد وضمان استدامتها، بالتوازي مع إنشاء “منظم المياه”.
وفي عام 2021م، اكتمل دمج مناطق التوزيع تحت مظلة شركة المياه الوطنية، كما أُنشئ المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه.
وعلى مستوى البنية التحتية، ارتفع عدد السدود إلى 574 سدًا بسعة تخزينية بلغت 2.6 مليار متر مكعب، وبلغت سعة الخزن الاستراتيجي 21.8 مليون متر مكعب، كما تم خفض استهلاك المياه في القطاع الزراعي بأكثر من 8 مليارات متر مكعب سنويًا.
وفي عام 2022م، بلغ عدد آبار مياه الشرب 8,835 بئرًا، وآبار المراقبة 407 آبار، ومحطات الرصد الهيدرولوجي 513 محطة، كما بلغ حجم توزيع المياه 11.4 مليون متر مكعب يوميًا، وإجمالي الإنتاج 12.8 مليون متر مكعب يوميًا، فيما وصلت أطوال خطوط النقل إلى 11,000 كلم، وشبكات المياه إلى 127,500 كلم، مع تغطية 88% من السكان بالمياه و60% بالصرف الصحي.
الريادة العالمية والمستقبل
وفي عام 2023م، أعلنت المملكة تأسيس منظمة عالمية للمياه مقرها الرياض، في خطوة عززت حضورها كمرجعية دولية في هذا القطاع.
وفي عام 2024م، جرى الإعلان عن المركز الدولي لأبحاث المياه، لترسيخ دور المملكة في الابتكار والبحث العلمي المرتبط بالمياه.
وتستهدف المملكة الوصول إلى تغطية كاملة لشبكات المياه بنسبة 100% بحلول عام 2030م، ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تعزز كفاءة الاستدامة وإدارة الموارد.
كما تتطلع المملكة بحلول عام 2050م إلى رفع تغطية الصرف الصحي إلى 95%، وضمان استمرارية الإمداد على مدار الساعة، وإعادة استخدام أكثر من 70% من المياه المعالجة، إضافة إلى توفير نحو 21 مليون متر مكعب يوميًا للاستخدام الحضري، عبر التوسع في التحلية وتغطية أكثر من 14,253 تجمعًا سكانيًا.
تعكس رحلة قطاع المياه في المملكة تحولًا جذريًا من إدارة الموارد التقليدية إلى منظومة عالمية متقدمة قائمة على الحوكمة والاستدامة والابتكار، لتصبح المملكة اليوم أحد أبرز النماذج الدولية في أمن المياه وإدارته.

