لم تعد موجات الحر في أوروبا مجرد ذروة صيفية عابرة أو حدثًا مناخيًا استثنائيًا يمكن احتواؤه بخطط طوارئ مؤقتة؛ فبحسب الوكالة الأوروبية للبيئة، أصبحت أوروبا أسرع قارات العالم احترارًا، ومع ارتفاع درجات الحرارة باتت موجات الحر أطول وأشد وأكثر تكرارًا، وهو ما يضغط على الصحة العامة والمياه والغذاء والبنية التحتية والاقتصاد في وقت واحد.
ومن هنا تتضح المعضلة الأساسية: الخطر يتسارع بينما لا تزال كثير من المدن والأنظمة الأوروبية تتحرك بمنطق الاستجابة الجزئية.
يقول التقييم الأوروبي للمخاطر المناخية الصادر عام 2024 إن القارة تواجه 36 خطرًا مناخيًا تهدد أمن الطاقة والغذاء والنظم البيئية والبنية التحتية والمياه والاستقرار المالي وصحة الناس، مع وصول كثير من هذه المخاطر إلى مستويات حرجة بالفعل.
عند الانتقال إلى زاوية الصحة العامة، تصبح الصورة أكثر صرامة؛ ففي 11 يونيو الجاري قالت منظمة الصحة العالمية إن أوروبا فقدت أكثر من 200 ألف شخص بسبب الحر خلال 4 سنوات فقط في الاتحاد الأوروبي والدول المرتبطة به، مؤكدةً أن معظم هذه الوفيات كان يمكن الوقاية منها.
هذه المعلومة تمنح التقرير بعده الأكثر أهمية، لأن الحر هنا يظهر كأزمة صحة عامة وهيكلية، لا كإزعاج موسمي. وتزداد الصورة وضوحًا عندما ننتقل إلى المدن، حيث تتحول الحرارة إلى عبء يومي محسوس.
يشرح مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية أن ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية تجعل المدن أكثر سخونة من المناطق المحيطة بها بسبب الأسطح الصلبة وكثافة السكان والبنية المولدة للحرارة.
ويعني ذلك أن الخطر لا يتوزع بالتساوي، لأن أحياء كاملة قد تصبح أكثر عرضة للحر، خاصة في المناطق المكتظة وقليلة الظل والأقل تجهيزًا بالبنية الخضراء.

وهنا يبرز سؤال التكيف بوصفه جوهر المعركة المقبلة؛ فالأوروبيون يملكون معرفة علمية متراكمة وسياسات متزايدة للتكيف، غير أن الوكالة الأوروبية للبيئة تقول بوضوح إن تحويل الخطط إلى تنفيذ فعلي ما يزال يمثل تحديًا رئيسيًا.
كما أن التقرير الأوروبي للمخاطر المناخية يشير إلى أن بعض الأخطار باتت عند مستوى حرج بالفعل، ما يعني أن التأخير في التنفيذ يرفع كلفة الخطر ويوسع آثاره الإنسانية والاقتصادية.
ومن ثم، يصبح السؤال العملي: ماذا يعني أن تكون أوروبا مستعدة فعلًا لموجات الحر؟
الإجابة التي تعرضها المؤسسات الدولية تدور حول حزمة واضحة من الإجراءات، تبدأ من خطط الصحة والحر التي توزع المسؤوليات بوضوح أثناء الأزمات، وتمتد إلى شبكات التبريد، والظل الحضري، وتشجير المدن، وتعديل جداول العمل، وحماية المدارس والمستشفيات ودور الرعاية، وتوسيع جاهزية الخدمات أثناء الذروة الحرارية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن هذه الإجراءات عملية وقابلة للتوسع، وأنها تنقذ الأرواح عندما تطبق بشكل منسق ومؤسسي. وتأتي هنا أهمية الحلول الحضرية الأكثر عملية، لأن المدن هي المكان الذي يلتقي فيه الخطر بالسكان مباشرة.
ويشدد مركز الأبحاث المشترك على أن البنية الخضراء والزرقاء، مثل الأشجار والحدائق والمسطحات المائية، من بين أكثر الوسائل فعالية لخفض أثر الجزيرة الحرارية، خصوصًا عندما تُستخدم مع مجموعة متكاملة من الأدوات بدل حل واحد منفرد.
وفي السياق نفسه، يوضح تقييم المخاطر المناخية الأوروبي أن الفجوة الحقيقية لا تكمن فقط في إدراك الخطر، وإنما في بناء استجابة تتناسب مع حجمه وسرعته وتعقيد آثاره.
تبدو أوروبا اليوم في مواجهة زمن مناخي جديد يختبر المدن كما يختبر المستشفيات والشبكات والخدمات العامة. والسؤال الأصح ليس ما إذا كانت أوروبا تعرف ما يجب فعله، بل ما إذا كانت ستنقله من مستوى التوصية إلى مستوى الفعل بالسرعة المطلوبة في ظل تفاقم أزمتها الحرارية.

