حصة الفاتن
إلى منارة الرأي الصايب، وسند المتضايق، ومن لا يُعلى على قوله في مجالس الرجال، أبوي طويل الذرعان، السلام عليك ما هبت النسام، وما استقام ميزان الحق والبيان، أما بعد؛
يا أبوي، جئتك والمحبرة تغلي بنار الأنفة، والقلم يرفض أن يكتب بمداد الضعف، جئتك وفي صدري صرخة تتردد أصداؤها في فضاء الكرامة، وأبياتٌ مسّت كبد الحقيقة حين قالت:
ليت كسر الذات يبرى بالجبارة والكتايف
كان أبا أحاول وأضبه بالكتايف والجبارة
فرصةٍ تاحت وراحت مير يالله بالخلايف
يا وجود اللي قعد يصفق يمينه في يساره
فليت هذا الوجع الذي ينهش في مخبر الرجل يُداوى فعلاً بلفائف القماش، وليت كتايف المرجلة والوجاهة تجبر تهشم الروح إذا غدرت بها الليالي أو خانها مسمومُ الطباع. إن في موازين النفس كسرًا لا يقع في الظاهر بل في العمق حيث لا يراه إلا ذوو البصيرة، فكم من امرئٍ يرتدي أفخم الهندام ويحتمي بصيت الاسم، لكنه يحمل في داخله ذاتاً مهشمة لا يرممها بريق الماركات الزائفة، ولا تسندها الكتايف إذا انكسرت أمام ردى الطبع أو خيانة مسمومٍ كان يُظن به خيراً.
والوكاد يا أبوي أن العلم كشف عن حقائق مذهلة؛ فالدماغ لا يفرق بين “الكسر المعنوي” و”الكسر الجسدي”، بل إن جرح الكرامة ينشط الخلايا العصبية ذاتها التي تتألم عند كسر العظم. وما يُعرف بـ “متلازمة القلب المنكسر” يغير شكل بطين القلب حرفياً ليصبح كـ “جرة الصياد”، مما يؤكد أن قرابة 80% من الأوجاع الجسدية منبعها كسرٌ معنوي تترجمه الروح بهدّ الحيل ورفع مستويات هرمون القلق بنسبة 400%، مما يستنزف طاقة الرجل في محاولة يائسة لـ “ضبه بالكتايف” وترميم صورته أمام الناس.
يا أبوي، إن من طالت ذرعانه بالشهامة يدرك أن جبر الذات هو أعظم معارك الرجل، وأن عزة النفس هي الجبارة الحقيقية التي تبدأ بنفض اليد بكرامة عن كل ما ومن تسبب في هذا الكسر، والالتجاء لصمت المهابة الذي يحمي الجرح من فضول أشباه الرجال حتى يلتئم بعزّة الله. تذكر دائماً قصة العود القماري الذي لا يخرج أزكى ريحه إلا إذا أحرقته النار، وفلسفة “الكينتسوغي” التي تجبر الكسور بـ “الذهب” ليكون الأثر أثمن مما كان، فكذلك هي الذات الأصيلة يزيدها كسرُ الليالي شموخاً وطيباً إذا صمدت بوقار الحكيم. والوكاد يا سيدي أن الجبار هو الله، وجبره لا يأتي لمن استكان وصفق يميناً في يسار، بل لمن شمّر عن ذرعانه وسعى لعزته، فخلك ذيباً في جبر ذاتك، فكتايفك الحقيقية هي وقارك وصنايع معروفك التي تمحو ردى الماضي وتُعيد للروح هيبتها.

