تواجه الأوساط الطبية تأخرًا ملحوظًا في فهم طبيعة تطور أمراض القلب لدى النساء مقارنة بالرجال بالرغم من كونها المسبب الأول للوفيات بين الإناث عالميًا، بيد أن دراسة أمريكية جديدة منشورة في مجلة «سيركوليشن ريسيرش» الطبية نجحت في سد جانب من تلك الفجوة المعرفية برصدها تأثيرًا جينيًا مباشرًا يسهم في تكوين ترسبات وعائية معينة تظهر بكثافة لدى المريضات.
وركز الفحص الذي أجراه باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس على دور جين «إم واي إتش 9» في تبيان الفوارق البيولوجية المحددة لطبيعة الإصابة بأمراض الشرايين التاجية بين الجنسين.
طبيعة اللغز القديم في طب القلب وعلاقته باللويحات الليفية
تنشأ غالبية الإصابات القلبية جراء تصلب الشرايين الناتج عن تراكم المواد الالتهابية والدهون والخلايا في الجدران الداخلية للأوعية الدموية مشكلة لويحات شريانية.
ورغم تركيز العلماء لسنوات طويلة على اللويحات غير المستقرة المسببة للجلطات المفاجئة، فإن الأبحاث التفتت مؤخرًا لنوع آخر يدعى اللويحات الليفية المحاطة بغطاء سميك من الأنسجة الندبية، ومع تصنيف هذا النوع كأكثر استقرارًا وأقل عرضة للانفجار، فإنه يحمل مخاطر بالغة تتجسد في إحداث نوبات قلبية نتيجة تآكل السطح أو التسبب في تضيق الأوعية تدريجيًا، وتثبت الإحصاءات الطبية ميل النساء دون سن الخمسين لتشكيل تلك الترسبات الليفية دون اتضاح المبرر البيولوجي سابقًا.
ولفك طلاسم تلك الظاهرة، قادت ميتي سيفليك، الأستاذة وخبيرة علم الوراثة البشرية في كلية «ديفيد جيفن» للطب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس والمؤلفة الرئيسية للمقال، فريقًا بحثيًا لتحليل النشاط الجيني في خلايا العضلات الملساء الوعائية المنظمة لبنية الأوعية الدموية والمحركة لعملية تشكل الترسبات.
استهدفت الدراسة فحص خلايا شرايين مأخوذة من قلوب 119 متبرعًا من الذكور و32 متبرعة من الإناث مخصصة للزراعة، بجانب الاستعانة ببيانات مسوح سكانية ضخمة في هولندا والسويد تحتوي عينات فعلية للويحات شريانية، حيث وظف الفريق أدوات حوسبة متطورة للمقارنة بين الشبكات الجينية النشطة لدى الجنسين.
دور جين «إم واي إتش 9» والمشهد البيولوجي لحماية شرايين النساء
رصدت النتائج المخبرية وجود شبكتين جينيتين تظهران نشاطًا مضاعفًا لدى الإناث، وتبين ارتباط إحداهما بصورة وثيقة بجين «إم واي إتش 9»؛ إذ تلازم ارتفاع معدل أدائه مع ظهور لويحات غنية بخلايا العضلات الملساء وفقيرة بالدهون، وهي الخصائص البنيوية المكونة للترسبات الليفية الشائعة بين النساء.
وتركز عمل هذا الجين في النطاقات المسؤولة عن بناء الغطاء الليفي الواقي للكتلة الشريانية، ويرجح المتخصصون قدرة الجين على توجيه استجابة الخلايا الوعائية للإشارات البيولوجية كالهرمونات والضغوط الميكانيكية، ما يمنح تفسيرًا علميًا لاختلاف الأعراض السريرية وصعوبة رصدها بالفحوصات التقليدية لدى المرأة وهو ما يعرضها طبيًا للتشخيص الخاطئ أو المتأخر.
ويتطلع الخبراء مستقبلاً لتوظيف هذه الاختلافات الوراثية لتصميم آليات دقيقة لتقييم المخاطر تأخذ الفروق البيولوجية بعين الاعتبار بدلاً من النماذج الموحدة، ومع أن تلك النتائج لن تغير البروتوكولات العلاجية فورًا، إلا أنها تمثل ركيزة للانتقال نحو الطب الشخصي أو الدقيق المرتكز على الخصائص الجينية للفرد.
ويعكف العلماء حاليًا على سبر أغوار آليات تأثير الكروموسومات والهرمونات الجنسية في نشاط جين «إم واي إتش 9» تمهيدًا لابتكار علاجات موجهة تستهدف هذا المسار تحديدًا، ما يتيح استراتيجيات وقائية مبتكرة للنساء اللواتي عانين طويلاً من ضعف التمثيل في التجارب الطبية المتعلقة بالقلب.

