الشعور بحرقة الفراق ومواجع الألم تأتي بعد رحيل من تعايشنا معهم وأحببنا عشرتهم .. هم باقون في دواخلنا ومعنا في هذه الفانية رغم البعد والتناسي في زحمة الحياة والمشاغل لكن اللقاء حين يأتي يكون أكثر دفئاً وحنانا لذكريات الزمن الجميل ..زمن الوئام والألفة الذي يجمعنا “لقلطة غداء أو عشاء” بين دهاليز المكاتب أو على فوق اوراق المطابع و رائحة الأحبار .. تفرقت بنا السبل كثيرا لجمع من الاعلاميين .. البعض غادر متقاعدا ولم نعد نسمع سوى نعيه في الصحف .. وآخرون تواروا عن الأنظار خشية الإملاق..وبقيت ثلة لاتزال تظهر بين الفينة والآخرى على استحياء .. من بين هؤلاء وأولئك كان وجدي بن حسن حلواني أيقونة الحضور وشعلة النشاط بين كل مصوري الصحافة المحلية لكن الحظ لم يزف بشراه اليه وحين أتاه تعفف في أن يمشي معه إلى حيث النجومية والمال ..بدأ وجدي حياته عاملا على السنترال بجريدة البلاد ..كان كتله من خفة الدم والنشاط ..لم يقتنع بوظيفته لإن أحلامه أعلى وطموحه أكبر من البقاء خلف بدالة السنترال يرد ويحيل المكالمات.. كان يرى في دواخله طاقة إنتاجية مهدرة وفي كل مرة التقي به يلح بالطلب للخروج من عنق الزجاجة ..وجدت فيه حماس منقطع النظير وحب للعمل غير طبيعي إضافة إلى شغفه لتعلم أي مهنة تحقق طموحه المتنامي .. دلفت على الاستاذ غالب حمزة ابو الفرج عليه شآبيب الرحمة وطلبت منه أن يقبل بالزميل وجدي في قسم التصوير يتدرب وان لم يحقق اي نجاح خلال ستة أشهر سنعيده إلى السنترال . وكان له ماأراد .. خرج وجدي إلى الشارع متدربا وملحاً في أسئلته عن كل صغيرة وكبيرة للتعلم وانخرطت معه في نوبات تدريبه على التصوير والتحميض والطباعة وهي تخصصات درستها في مراحل حياتي المهنية بالكويت وحققت معه نتائج مبهرة ..كان يدخل المعمل المظلم الصغير في جريدة البلاد ويتعامل مع مواد تحميض الافلام “الفيكسر” “والدفلبر” بإحترافيه عاليه جعلت من مصور الجريدة يعاديه خشية ان يزيحه من مكانه ..لكن وجدي الإنسان لم يكن من تلكم النوعية فآثر البقاء مصورا للمناسبات والاحداث دون التدخل في المعمل ..نجح وجدي بأخلاقه وتعامله الراق..وملاطفته للجميع وتوفرت لديه كل أدوات الاحترافيه لكنه لم ينتبه لنفسه في سوق التنافس الشديد ..كان رقيق القلب شديد الإخلاص لمؤسسته التي لم تبادله نفس الاحاسيس وحين كُلف كمصور صحفي لتغطية حفل الفنان طلال مداح رحمه الله استطاع ان يلتقط آخر الصور لصوت الارض قبيل وبعد سقوطه …ساومته صحف كبرى بمبلغ كبيرة وصلت إلى عشرات الالاف ويزيد من اجل الحصول على لقطة انفراد وفاة طلال مداح وهي فرصة لم يكن يلتفت اليها أحد لكنه أبى بعزة نفس ورأى ان ذلك خيانه لمؤسسته ورفض كل العروض ولم يحصل على تقدير سوى شهادة شكر لاتسمن ولاتغني من جوع .. ومع كل ذلك كان قانعا بما حصل عليه . وجاءته فرص كثيرة قبيل ذلك منها تمساح بحيرة الاربعين التي احدثت بلبلة كبيرة حين استطاع رصد احد التماسيح وهو يطفو على البحيرة ورفض،ايضا بيع تلكم الصور ..وصور مبهرة وعالمية في مواسم الحج ..وجدي حلواني يكاد ينطق جسده بإسمه من حلاته يغرقك من الضحك حين تسامره..ويشعرك بالحزن المتدفق من عينيه حين يجلس ويسرد قصة معاناته مع الحياة.. تخلى عنه الكثيرون وبقي وحيدا يلاطم أمواج الضياع حين تخلت أغلب الصحف عن موظفيها ..لكن دواخله لاتستسلم ابدا خرج خالي الوفاض وهو ينظر إلى فلذة اكباده كيف يستطيع تأمين لقمة العيش لهم .. والى اين سيذهب .. ضاقت به الارض،إلا من رحمة ربي فقد شمر عن ساعديه لإنشاء مطبخ لتقديم الاطعمة الحجازية يستطيع من خلاله تأمين لقمة عيش كريمة لأسرته لكن حظه العاثر،اوقعه مع شريك ظلمه وأكل كل مدخراته التي صرفها من أجل إنجاح مشروعه .. كانت طيبته الزائدة احد إنتكاساته وثقته في كل من تبسم له جعلته يقع ضحية مرة تلو الأخرى..وازداد وجعه حين بقي،وحيدا بلا رفيق حتى في حياته الاجتماعية .. تعب قلبه المملوء ألما..ونزف من دواخله وهو يتجرع المواجع تلو الأخرى لكن شيئا واحدا بقي في نفسه لم يتغير ..صورته الجميلة بعينيه السوداوين الداعجه وابتسامته التي لم تفارق وجهه الصبوح..كانت كل أحلامه ان يفرح قلب والديه وكثيرا ماتناثرت على مقلتيه دموع الفرح حين يهاتف أمه بصوت خافت ويقف على قدميه يستمع إلى كلامها رغم أن الحديث عبر الاثير ..لكن دواخله تقتني الاحترام لأمه التي يراها بالدنيا ومافيها.. كنت أذهب معه إلى شقته الصغيرة في كيلو ثمانية أو عشرة لم اعد اذكر وهو يؤثثها رويدا رويدا قبيل أن يتزوج والفرح يغمر قلبه رغم انها غرفتين فقط بمطبخ لكنها كان يراها بحجم قصر سيجمعه بمن يحب ..افترقت بنا السبل حين غادرت إلى الرياض وبقي هو في جدة ومضى قطار العمر وكأن القدر يجمعني به لآخر لحظات اللقاء حين التقيت به قبيل ثلاثة أسابيع في مكة ..لم اعرفه فقد تغير كثيرا ومال إلى السمنة أكثر لكنه تلقفني بيديه خلف ظهري ممازحا كعادته ثم التفت الي حاضنا أياي..كانت لحظات جميلة ان أراه بعد ردحٍ من الزمن .وجدته كما هو في صفاته النبيلة ضحوك المبسم ..على سريرته لكن الاحوال لم تتغير ..لم يجد عملا واضطر إلى قبول عمل كمراقب لحركة الصيانه في أبراج الساعة بمكة المكرمة براتب زهيد لكنه يستره على حد قوله ..كانت الهموم تعتلي جبينه وعلامات الأسى باقيه رغم محاولاته الدؤبة ان يخفيها عن اصدقاؤه.. وفي لحظات الحزن والتفكير والعيش من اجل احتواء أسرة واطفال ومسؤولية بيت تعطلت به سيارته التي هي راس ماله و عبر الشارع المحاذي لمنزلة على قدميه مطرقا رأسه المليء بالهموم لترتطم به سيارة عابرة ومسرعة تنهي بها حياته التي إمتلئت بالآسى وانتهت به .وكأنه يقول ها قد جئت ياموت متأخرا …رحل عن دنيانا “حلواني الصحافة وفاكهتها” لزمن جميل لن يعود .. رحمك الله ياوجدي فقد تركت فينا بموتك دروسا وعبر علنا نتعظ من البعض منها وأهمها ان لانترك فرص الحياة تغتال منا فرحة النجاح ..فلن يلتفت إليك احدا ان لم تقطف بيديك ثمار مستقبلك . وكفى .. ..عبدالله الشريف
آخر الأخبار
- سر شعر كوكوريا الطويل.. قصة إنسانية مؤثرة بطلها ابنه المصاب بالتوحد
- وزارة الحج تدعو للتحقق من ترخيص شركة العمرة قبل الحجز لضمان جودة الخدمات
- الذهب يصعد 1.3% وسط آمال تهدئة الصراع في الشرق الأوسط
- النفط يهبط إلى أدنى مستوى في أسبوعين
- القمة العالمية للاستثمار: 11.79 مليار دولار نموًا مرتقبًا في اللوجستيات والصناعات المتقدمة حتى 2030
- الأرصاد: نشاط للرياح المثيرة للغبار واستمرار فرص الأمطار الرعدية
- جامعة طيبة تفتح التقديم على دبلوماتها المهنية عن بعد للعام الجديد
- لتطوير الخدمات الرقمية ورفع الكفاءة.. توقيع شراكة بين الداخلية وسبل
