بينما ترغب مؤسسات العمل بمختلف مجالاتها في تحقيق أعلى ربح ممكن من ممارساتها المهنية، فإن هذا السعي يصطدم أحيانًا ببيئة العمل التي توفرها لموظفيها، فالارتباط وثيق الصلة بين الصحة النفسية لموظفي مؤسسة ما ونجاحها وتطورها. كما أن الاحتراق الوظيفي الذي يضر بالموظف، يصل بالمؤسسة التي يعمل بها إلى أضرار اقتصادية ملموسة إذا لم تنجح في علاجه.
ما هو الاحتراق الوظيفي؟
يعود أول استخدام لمصطلح الاحتراق الوظيفي إلى المحلل النفسي الأمريكي (فريدنبرجر - Freudenberger)، باعتباره أول من أدخل هذا المصطلح إلى حيز الاستخدام الأكاديمي في العام 1974، بينما تمثل أعمال أستاذة علم النفس بجامعة بيركلي الأمريكية (كرستينا ماساك Maslach) عام 1982 الريادة في دراسة وتطوير مفهوم الاحتراق الوظيفي.
وقد أدرجت منظمة الصحة العالمية (الإجهاد النفسي الوظيفي) أو (الاحتراق النفسي المهني) Occupational Burnout، ضمن قائمة التصنيف الإحصائي الدولي للأمراض، حيث تم الاعتراف بهذه المتلازمة عالميًا في العام 2022.
اقرأ أيضًا.. رسميًا: إقرار ضوابط الحماية من التعديات السلوكية في بيئة العمل
والاحتراق الوظيفي وفقًا لذلك هو رد الفعل على ضغوط العمل المزمنة أو الطويلة، ويعرف بثلاثة معالم رئيسية: تقلص وجود الحافز مع الشعور بالإرهاق والإنهاك وقلة المتعة في العمل وعد الإيمان بالقدرة على إنجاز المهام.
وللاحتراق الوظيفي عدة أسباب محتملة، على رأسها الضغط الذي يأتي بشكل رئيسي من الوظيفة نفسها، لكن ضغوط الحياة العامة يمكنها أيضًا أن تسرع من حدوث الاحتراق الوظيفي.
كذلك، يعد انخفاض التواصل والدعم من المدير أحد أهم مسببات الاحتراق الوظيفي، إذ يقدم دعم المدير حاجزًا وقائيًا أمام الإجهاد النفسي.
تقرير.. الصحة النفسية في بيئة العمل.#الشارع_السعودي pic.twitter.com/U6T6O8kZB9
— قناة السعودية (@saudiatv) December 24, 2023
الاحتراق الوظيفي ومفهوم العافية

يفرق الدكتور سعود العمر، مؤسس برنامج تعزيز الصحة النفسية في بيئة العمل، بين الاحتراق والارتباط الوظيفي أو ما يطلق عليه "مفهوم العافية"، الذي يُحدده بقدرة الموظف على العطاء في ظل مناخ إيجابي يمنحه الطاقة اللازمة للمشاركة بفعالية في الإنتاج.
ويضيف الدكتور سعود إنه على عكس ذلك يحدث الاحتراق الوظيفي عندما يفقد الشخص العافية في محل عمله، بفعل خلوها من البيئة الصحية للعمل التي تراعي أبعاد العافية، وتضم: العافية الجسدية، والعافية النفسية، والعافية المادية، والعافية المجتمعية، والعافية الدينية، والعافية الذهنية التي ترتبط بتطوير الموظف، مشيرًا إلى أن إهمال أي منها يخلق بيئة غير صالحة للعمل.
متى يصل الموظف إلى الاحتراق الوظيفي؟#الشارع_السعودي pic.twitter.com/VHVCIcqH26
— قناة السعودية (@saudiatv) December 24, 2023
عناصر الحياة الوظيفية الجيدة

تحدد العنود الشيباني، مستشارة جودة بيئة العمل، عددًا من عناصر الحياة الوظيفية المثالية لبيئة عمل جيدة، فتقول إن أهمها وجود أهداف واضحة للمؤسسة، وأن تطلع جميع موظيفها على تلك الأهداف وما تمكنوا من تحقيقه منها.
وتضيف الشيباني، في لقاء متلفز على فضائية قناة "السعودية" اليوم الأحد، أن الموظف يحتاج لأن يجد في مؤسسته رؤية ورسالة واضحة، تمكنه من الاندماج فيها.
وتعود الشيباني إلى التأكيد على أن المدير المباشر هو العامل الرئيسي والمعيار الأول لسعادة أو تعاسة الموظف، مشيرةً إلى تصرفات التنمر وشخصنة الأمور والتدخل المتكرر في الصلاحيات التي توصل الموظف في النهاية إلى الاحتراق الوظيفي.
ما تقوله التقديرات الأممية
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 15% من البالغين في سن العمل عانوا من اضطراب نفسي في عام 2019، بينما على الصعيد العالمي، يُهدر نحو 12 مليار يوم عمل كل عام بسبب الاكتئاب والقلق، وهو ما يكلف الاقتصاد تريليون دولار أمريكي سنويًا من الإنتاجية المهدرة.
توجد إجراءات فعالة للوقاية من مخاطر الصحة النفسية في العمل، وحماية وتعزيز الصحة النفسية في العمل، ودعم العاملين الذين يعانون من اعتلالات الصحة النفسية.

وتحدد منظمة الصحة المخاطر على الصحة النفسية في العمل فيما يلي:
- نقص استخدام المهارات أو عدم امتلاك المهارات الكافية للعمل.
- أعباء العمل المفرطة أو وتيرته، ونقص الموظفين.
- العمل لساعات طويلة أو في أوقات غير معتادة أو غير مرنة.
- عدم التحكم في تصميم الوظيفة أو عبء العمل.
- ظروف العمل المادية غير الآمنة أو المتردية.
- وجود ثقافة تكرس السلوكيات السلبية في المؤسسة.
- الدعم المحدود من الزملاء أو تسلط المشرفين.
- العنف أو المضايقة أو التنمر والتمييز والإقصاء.
- عدم وضوح الدور الوظيفي.
- الترقية الناقصة أو المفرطة.
- انعدام الأمان الوظيفي، أو عدم كفاية الأجور، أو ضعف الاستثمار في التطوير الوظيفي.
- التضارب بين متطلبات المنزل/ العمل.