تحديد الألوان يمكن أن يكون تحديًا في الظلام، وحتى في الإضاءة الخافتة، يمكن أن تبدو الألوان المختلفة متشابهة بشكل ملحوظ. فما هو السبب العلمي لذلك؟
وفق “Live science“، يرجع ذلك إلى كيفية رؤية الإنسان في ظروف الإضاءة المختلفة. إذ تحتوي العيون البشرية على نوعين من المستقبلات الضوئية، وهي الخلايا العصبية التي تكتشف الضوء: العصي والمخاريط.
يحتوي كل مستقبِل ضوئي على جزيئات ماصة للضوء، تُعرف بالصباغات الضوئية، التي تمر بتغيير كيميائي عند تعرضها للضوء، مما يطلق سلسلة من الأحداث في المستقبل الضوئي، ويحثه على إرسال إشارات إلى الدماغ، ومن ثم تمييز اللون.
دور العصي في الرؤية الليلية
العصي مسؤولة عن تمكين الرؤية في الظلام، المعروفة بالرؤية السكوتوبية. وتمتاز العصي بوجود طبقات متعددة من الصباغات الضوئية، ما يجعلها فعالة في التقاط الضوء حتى في الظلام، لأن “كل واحدة من هذه الطبقات تشكل فرصة لامتصاص الفوتونات”، وفقًا لحديث سارة باترسون، عالمة الأعصاب في جامعة روتشستر في نيويورك.
والفوتونات هي جسيمات من الإشعاع الكهرومغناطيسي، وفي هذه الحالة، الضوء المرئي. ويمكن للعصي أن تتفاعل مع عدد قليل من الفوتونات.
دور المخاريط في الرؤية النهارية
أما المخاريط فهي مسؤولة عن الرؤية في الضوء الساطع، أو الرؤية الفوتوبية. يمتلك معظم الأشخاص ثلاثة أنواع من خلايا المخاريط، كل منها حساس لمجموعة مختلفة من الأطوال الموجية للضوء المرئي، والتي تتوافق مع ألوان مختلفة.
الاختلافات الصغيرة في الجزيئات الماصة للضوء في المخاريط تجعلها متخصصة في اكتشاف الضوء الأحمر أو الأخضر أو الأزرق.

لكن الأهم هو أن كل خلية من المخاريط لا تستطيع التمييز بين الألوان بمفردها، كما يقول أ. ب. سامباث، عالم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس.
فعندما يمتص الجزيء داخل خلية المخروط فوتونًا، فإنه ينشط المخروط فقط؛ وفي هذه المرحلة، لم تتم معالجة أي معلومات عن لون الضوء أو شدته. وتنشأ رؤية الألوان عندما يجمع الدماغ الاستجابات من جميع أنواع المخاريط الثلاثة في العينين، حيث تحول الدوائر البيولوجية الدقيقة هذه الاستجابات إلى الألوان التي نراها.
لماذا يصعب تمييز الألوان في الظلام؟
تهيمن المخاريط على الرؤية في الضوء الساطع لأن العصي تصبح بسرعة مشبعة أو مثقلة بالفوتونات، والدماغ يتجاهل نشاط العصي. لذلك، يمكننا رؤية الألوان بسهولة في الضوء الساطع. ولكن مع تزايد الظلام، تبدأ العصي في تولي زمام الأمور لأنها أكثر حساسية للضوء من المخاريط.
تهيمن العصي على الرؤية الليلية، بينما تكون المخاريط مفعلة بشكل ضعيف. وعلى عكس المخاريط، تأتي العصي بنوع واحد فقط. تأتي رؤية الألوان من مقارنة استجابات الأنواع الثلاثة من خلايا المخاريط، وهو ما لا يمكن تحقيقه في الرؤية المعتمدة على العصي. لذلك، في الظلام، لا يمكننا تمييز الألوان بشكل جيد.
التأثير المتداخل بين الرؤية بالعصي والرؤية بالمخاريط
قد تساهم العصي في معالجة الألوان في ظروف معينة. في الإضاءة الخافتة، تعمل أعيننا في نطاق وسيط يعرف بالرؤية الميزوبية، حيث تساهم كل من العصي والمخاريط في الرؤية ولكن لا يهيمن أي منهما. في هذا النطاق الميزوبي، يمكن للعصي أن تساهم في معالجة الألوان بتقديم حساسية طيفية مميزة للمقارنة مع المخاريط.
هذا التداخل بين الرؤية بالعصي والرؤية بالمخاريط ينتج أيضًا تأثير بوركنجي، حيث تبدو الألوان الحمراء داكنة أو مزرقة تحت الضوء الخافت، وتبرز الألوان الأرجوانية والزرقاء والخضراء بشكل لافت.
الأداء المدهش للجهاز البصري
على الرغم من أننا لا نستطيع رؤية الألوان جيدًا في الليل، فإن جهازنا البصري يسمح لنا باستقبال المعلومات عبر نطاق واسع من شدة الضوء، من الليل القمر إلى المنحدرات الثلجية الساطعة. هذا الأداء الاستثنائي للعين البشرية في التعامل مع تغييرات شدة الضوء الهائلة يجعلها معجزة بيولوجية لا تزال غير قابلة للمضاهاة بواسطة أجهزة الكشف الاصطناعية.

