تتحول قراءة نتائج تحاليل الدم في كثير من الأحيان إلى تجربة محيرة تشبه محاولة فك شفرة لغة أجنبية غامضة، نظرًا لكثافة المصطلحات الطبية والرموز الرقمية.
وفي محاولة لتجاوز هذا التعقيد، بات العديد من المرضى يلجؤون إلى نماذج اللغات الكبيرة، وعلى رأسها برنامج «شات جي بي تي»، كأداة فورية لتفكيك تلك الرموز والحصول على قراءة أولية للمؤشرات الحيوية.
بيد أن هذا السلوك الرقمي الجديد يضع المستخدم على خيط رفيع يفصل بين الوعي الصحي السليم والانزلاق إلى دهاليز الهلع والتشخيصات الافتراضية الكارثية.
وفي هذا السياق، قدم الدكتور صهيب امتياز، رئيس الفريق الطبي لمنصة «فيري ويل هيلث» الطبية، دليلًا إرشاديًا استراتيجيًا للاستفادة من الذكاء الاصطناعي طبيًا دون تجاوز الخطوط الآمنة.
مترجم بارع.. ولكن ليس طبيبًا
يحسم امتياز الجدل حول جدوى هذه النماذج بالإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي يعجز تمامًا عن إدراك التاريخ السريري الشامل للمريض، برغم براعته المشهودة في تحويل المصطلحات الطبية المعقدة إلى لغة مبسطة وسهلة الفهم.
وتعود هذه الكفاءة الشرحية إلى تدريب تلك النماذج على قواميس ضخمة من الأبحاث والكتب الطبية، ما يجعلها قادرة على شرح دلالة القيمة الرقمية مجردة، دون القدرة على إسقاطها على الحالة الصحية الفردية.
على سبيل المثال، فإن استفسار المريض عن ارتفاع الهرمون المنشط للغدة الدرقية «تي إس إتش» سيعود عليه بإجابات عامة حول كسل الغدة، لكنه لن يوضح أثر ذلك على جسده تحديدًا؛ إذ يظل هذا النطاق حكرًا على الطبيب البشري الذي يربط النتيجة بالأعراض الحالية، والتاريخ المرضي، والبروتوكول الدوائي المتبع.
لذلك، يُنصح بالتعامل مع التكنولوجيا كـ«صديق واسع الاطلاع» يمنحك مؤشرات عامة، وليس كبديل عن العيادة الطبية.
مصفاة الوعي ومؤشرات العافية
تظهر القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي عند استخدامه لفحص مؤشرات العافية العامة والدورية؛ مثل مراقبة معدلات الكوليسترول أو نسب السكر التراكمي «إتش بي أي ون سي» في الفحوصات السنوية، حيث يقدم تفنيدًا دقيقًا للمعدلات الطبيعية والمرجعية، ما يسهم في رفع مستوى الثقافة الصحية للمريض وتأهيله لخوض نقاش أكثر فاعلية وإنتاجية مع طبيبه المعالج عبر تحضير أسئلة استيضاحية دقيقة.
ويشدد امتياز على أن جودة الإجابات الطبية الممنوحة من الآلة ترتبط ارتباطًا شرطيًا بدقة المعطيات، بناءً على قاعدة «المدخلات الرديئة تنتج مخرجات رديئة».
لذا، يتطلب الحصول على تحليل آمن صياغة أوامر محددة للغاية تتضمن العمر، والجنس، والتاريخ الصحي؛ كأن يكتب المستخدم: «أنا امرأة في الثامنة والثلاثين من العمر، ولا أعاني أمراضًا مزمنة، وهذه نتائج تحاليلي.. هل يمكنك تحديد ما يقع خارج النطاق الطبيعي؟»
قاعدة ذهبية للمستخدم:
لا تسأل الذكاء الاصطناعي عما يجب عليك فعله علاجيًا، بل اسأله عن الأسئلة التي يجب أن تطرحها على طبيبك البشري.
الخط الأحمر.. متى تغلق التطبيق فورًا؟
يضع الخبراء خطًا أحمر فاصلًا يُحظر فيه الاستعانة بالذكاء الاصطناعي؛ ويتمثل ذلك في مرحلة انتظار نتائج الفحوصات التشخيصية الحرجة والمرتبطة بأمراض معينة، على العكس من الفحوصات المسحية الدورية.
وتقتضي القواعد المهنية إغلاق التطبيق فورًا والاتصال بمقدم الرعاية الصحية في حال تميزت النتائج المخبرية بعلامات «عاجل» أو «حرج»؛ ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيسرد كافة الاحتمالات المتاحة علميًا بما فيها السيناريوهات الأشد خطورة، ما يضاعف مستويات التوتر والقلق دون طائل، في حين يمتلك الطبيب وحده الأدوات الإجرائية لطلب فحوصات أو أشعة إضافية تؤكد التشخيص اليقيني.

