م. جندب الأنصاري
عضو الهيئة السعودية للمهندسين. متخصص في الهندسة المعمارية وخبير في التصميم الجرافيكي
في عصر التواصل المفتوح وتداخل الثقافات عالميًا، تواجه المدن الكبرى تحديًا كبيرًا للحفاظ على هوياتها المعمارية المميزة والفريدة.
هذا التحدي يأتي مع سعي تلك المدن للتطور المستمر باستخدام أحدث التقنيات ومواد البناء، ونقل التجارب الموجودة حول العالم؛ لتنمية اقتصادها، وازدهارها، ما قد يؤدي إلى تحولها لنسخ مكررة تفتقر للخصوصية والتفرد، وهذا ما يتجلى بوضوح في التشابه الملحوظ بين المباني في مدن عدة كبرى.
الهوية المعمارية ليست فقط واجهة جمالية، بل هي جوهر حيوي يعزز الثقافة المحلية، ويساهم في تنوع المجتمع، ولا شك أن التشابه المعماري المتزايد بين المدن يهدد بفقدان كل مدينة لطابعها الخاص بها، مما يضعف الروابط الثقافية والاجتماعية بين السكان ومدنهم، ويقلل من جاذبيتها كوجهات سياحية فريدة؛ فالزوار الذين يهتمون بالتجارب المتجددة يعزفون عن المشاهد المعمارية المكررة والمألوفة، وبالتالي تنخفض العوائد السياحية والاقتصادية.
من الأمثلة الملموسة على هذا التحدي، ظاهرة استخدام الكلادينج في المباني التجارية، التي كانت رائجة لفترة قبل أن تظهر مشكلاتها البيئية والجمالية، وبالمثل يتم تصميم المجمعات التجارية بنفس الرسم المعماري مع اختلاف بسيط في التكسيات للواجهة الخارجية، كذلك الحال مع تصميم الفلل السكنية في شوارع ضيقة ومزدحمة بالسيارات دون توفير مساحات خضراء أو ممرات للمشاة، ومواقف كافية، مما يجعلها بيئة مُنفِّرة للسكان، فضلاً عن الإفراط في مرافق طلبات السيارات، التي تتسبّب في ازدحامات مرورية، وتُهمش المشاة، وبالتالي تؤثر على جودة الحياة العمرانية.
لمواجهة تحديات الحفاظ على الهوية المعمارية للمدن، يبرز دور المعماريين والمخططين العمرانيين في تشكيل المستقبل، بطرق تعزز تفردها وهويتها الثقافية، فمن الضروري تبني سياسات عمرانية صارمة ومؤثرة، مثل تلك المستخدمة في كود “وادي حنيفة”، وكود “المسار الرياضي” بالرياض، ونموذج “كيوتو” في اليابان، والتي أثبتت فعاليتها في حماية التراث التاريخي والبيئي، وتشجيع استخدام المواد المحلية والمستدامة، لتحقيق التميّز بعيداً عن التشابه المعماري.

