الدكتور عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية سابقا بجامعة ام القرى
توقيت إقامة قمة المتابعة العربية الإسلامية في 11 نوفمبر بعد وضوح نتيجة الانتخابات، أرادت السعودية أن ترسل رسالة إلى الرئيس المنتخب ترامب بأن هناك ردًا جماعيًا صادرًا من ثلث سكان العالم، أي 2 مليار مسلم، لن يقبلوا باستمرار هذا الوضع المأساوي والإبادة الجماعية التي تقوم بها إسرائيل وهم يتفرجون إلى ما لا نهاية.
ورسالة أخرى أرسلتها السعودية إلى ترامب هي أن العالم الإسلامي اجتمع على الأراضي السعودية ليرسل رسالة للعالم بأن الوضع في فلسطين لن يستمر، ولن يقبلوا بهذا الواقع الأليم والمرير. وهذا هو الموقف الذي كانت تحذر منه بريطانيا.
ففي عام 1907، اجتمعت الدول الاستعمارية في لندن، والتي كانت مكونة من بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، إسبانيا، وإيطاليا، من أجل مناقشة استمرار تفوق مكاسب الدول الاستعمارية.
للحفاظ على تلك المكاسب، اتجهت بريطانيا ومن معها من الدول الغربية لتدمير الأمة العربية بشكل خاص والأمة الإسلامية بشكل عام. سُمّيت هذه السياسة بوثيقة كامبل باترمان عندما كان وزير الخارجية البريطاني، وهو من دعا لهذا الاجتماع.
وتمت ترجمة نتائج هذا الاجتماع بصدور اتفاق سايكس بيكو لتوزيع أملاك الدولة العثمانية بين الدول الاستعمارية في عام 1916، تلاه وعد بلفور في 1917 باعتبار فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود، تكريسًا للجهود البريطانية منذ أن أقامت قنصلية بريطانية في القدس عام 1838، مستفيدة من قانون الصلح العثماني.
وساعدت اليهود على شراء الأراضي الفلسطينية، في الوقت الذي كانت فيه القيود العثمانية ضد تملك اليهود شديدة.
لكن احتيال اليهود والبريطانيين في إنشاء عدد من المستشفيات ودور الأيتام تحول فيما بعد إلى مستوطنات، حتى وصل عددها حاليًا في الضفة الغربية نحو 44 مستوطنة، وهناك نحو 100 بؤرة جاهزة.
اتبع الملالي نفس النهج بعد ثورات الربيع العربي في سوريا بشكل خاص.
رغم أن طوفان الأقصى أراد وقف التفاوض حول إقامة الدولة الفلسطينية، لأن إيران وتيارات الإسلام السياسي يرون أنها خيانة، وكان طوفان الأقصى حرب شاملة برعاية إيران فيما يودون من العرب أن يشاركوا فيها، واتخذوا من الأسرى المدنيين متاريس يتفاوضون بهم، ولم يتجهوا نحو إطلاق الأسرى لكسب التفوق الأخلاقي والسياسي، وهم عبئ على المقاومة.
هذه أمور لم تُؤخذ في الحسبان، خصوصًا في حماية شعب غزة. ورغم ذلك، رفضت السعودية والدول العربية إدانة المقاومة والاصطفاف إلى جانب المجتمع الغربي.
بل على العكس من ذلك، اتجهت السعودية نحو تفكيك هذا الاصطفاف عندما اعتبرت أن إسرائيل هي التي كانت تمارس القمع، مما أدى إلى طوفان الأقصى.
كما اتهمت السعودية إسرائيل بأنها بالغت في رد الفعل، وانتقدت العالم الغربي لاصطفافه حول إسرائيل بحجة الدفاع عن النفس.
وحشدت السعودية الدعم الدولي ضد إسرائيل عندما دعت إلى قمة عربية إسلامية في 11 نوفمبر 2023، وترأست لجنة مكونة من العرب والمسلمين برئاسة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، حيث جاب العالم وزار نحو 23 دولة في 25 يومًا.
وقد نتج عن ذلك موافقة دول رئيسية في أوروبا، منها النرويج وإسبانيا وإيرلندا، ليصل عدد الدول التي وافقت على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة إلى نحو 150 دولة.
كما أعلنت السعودية عن تحالف دولي لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، عاصمتها القدس الشرقية على حدود عام 1967، وأعلنت أيضًا عن تحالف عربي أوروبي بهذا الخصوص.
وكان آخرها تصريح وزير الدولة البريطانية لشؤون الشرق الأوسط لقناة العربية، حيث قال: “دعوتنا لوقف فوري لإطلاق النار في غزة، ونؤكد على أهمية حل الدولتين”، مما يعتبر نجاحًا للدبلوماسية السعودية.”
نجحت السعودية منذ القمة العربية الإسلامية الأولى، رغم أن التقارب السعودي الإيراني لا يزال حذرًا، لكن الصين ترى أنها حققت مكسبًا جيوسياسيًا على حساب الغرب ولأول مرة في منطقة الشرق الأوسط، كما اتخذت السعودية وبقية الدول الإقليمية والدولية قرارًا بتفكيك المليشيات من أجل تأمين إقامة الدولة الفلسطينية.
قبل انعقاد قمة المتابعة، نجحت في التصدي للتحديات، وكان موقفها موحدًا على مستوى العالم العربي والإسلامي، وبعد ذلك، تمكنت من وقف توسع الحرب الإقليمية، حيث اعترف نائب الرئيس الإيراني الذي حضر القمة بشكر السعودية على موقفها في إقناع أمريكا بمنع إسرائيل من القيام بضربات أخرى ضد إيران.
كما اتصل الرئيس الإيراني ليعتذر عن عدم الحضور لأسباب داخلية في إيران. ولجمت السعودية في الوقت نفسه إسرائيل عن التغول وقضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة، بالإضافة إلى التوسع في لبنان. بينما يراهن ترامب على نتنياهو باتخاذ قرار جرئ ينهي الحرب، كل هذه نتائج حققتها قمة المتابعة
تود تنقل السعودية المنطقة من زمن الحروب إلى زمن التنافس ووسيلة للتجارة والاستثمار في الانسان، والتأسيس لمسار تفاوضي حقيقي يعيد لجسم حركة فتح الإمساك بزمام الأمور وترتيب البيت الفلسطيني من أجل مستقبل الإنسان الفلسطيني، فنحن في عالم جديد وثمة فرص مواتية بعدما كانت تستخدم السعودية الورقة الدبلوماسية اليوم أصبحت تستخدم الورقة الاقتصادية، وهي ورقة مصالح تحقق منافع مشتركة، بعدما أصبحت المنطقة طريقا لممرات اقتصادية كطريق الحزام والطريق، والممر الهندي إلى أوروبا وأفريقيا، وإذا عارضت إسرائيل قيام الدولتين جنبا إلى جنب، فإن السعودية لن تسمح لإسرائيل المشاركة في الممر الهندي الأخضر المتجه إلى أوروبا، وستحشد المجتمع الدولي ضدها.

