حصة الحقباني
أستاذ الإعلام المساعد بجامعة الملك سعود
بعد تنظيم مركز الملك عبد العزيز للتواصل الحضاري ملتقى التسامح السنوي، تحت عنوان “جسور للتفاهم والتعايش في عالم متنوع”، وذلك يوم الاثنين 16 جمادى الأولى 1446هــ الموافق 18 نوفمبر 2024، تزامنًا مع اليوم الدولي للتسامح، ظهرت شرارة كتابة هذا المقال. إن خير ما يجسّد صورة التفاهم والتعايش هوموسم الحج. حيث يُولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين سموالأمير محمد بن سلمان اهتمامًا لخدمة الإسلام والمسلمين في تلك الفترة من كل عام. إن صورة التعايش في الحج يقف خلفها الكثير من الجهود؛ فمع كل نسخة جديدة للحج نجد المملكة تُشّرع تنظيمًا جديدًا لجعل تجربة الحج أكثر نجاحًا من المواسم السابقة، وكأنها بذلك تُسابق نفسها بدون منافس.
وفي مراجعة سريعة لجهود المملكة في النسخ الماضية من الحج، نجد أن الإلزام بالفحوصات وحتى التطعيمات لمنع انتشار الأمراض كان من أول التشريعات وذلك كخطوة وقائية للحجاج. ومع التقدم الرقمي ودمج التكنولوجيا المتكاملة والذكاء الاصطناعي، تم أيضًا تسخير وظائف أخرى مثل التحكم في الحشود والفحوصات الصحية. في عام 2018، استخدم المسؤولون نظرية غرونيغ للتميز في الاتصال المتماثل ثنائي الاتجاه لإدارة الأزمة المتعلقة بتشغيل موقع الحج. وفرت مثل هذه التدابير توزيع المعلومات في الوقت المناسب واكتساب ردود الفعل، وبالتالي تعزيز التنظيم العام للحج. وهناك فكرة معاصرة أخرى وهي “الحج الأخضر”، الذي يستهدف رسميًا تقليل البصمة الكربونية للحج. وتماشيًا مع هذا، قدم الجمال والحوثالي (2021) أجندة عمل لمكة تركز على إدارة النفايات وتوفير الطاقة. علاوة على ذلك، تستعين حكومة المملكة العربية السعودية بمنظمات عالمية مثل منظمة الصحة العالمية لإثبات جهودها في تنظيم رحلة صحية وسليمة.
ومع ذلك، يشكّل وجود الحجاج غير النظاميين تحديًا كبيرًا لهذه المحاولات التنظيمية كل عام. ولذلك كانت أحدث خطط التطوير التي تهدف إلى تحسين التنظيم العام وسلوك الحجاج هي حملة “لا حج بلا تصريح”. تعالج هذه الحملة بشكل رئيس المخاوف المتعلقة بالازدحام المتوقع خلال مواسم الحج والمخاطر المرتبة عليه. وعن طريق ضبط أعداد الحجاج، تتوقع الحكومة السعودية منع زيادة العبء على البنية التحتية والخدمات المتاحة للحجاج.
وقد أثارت الحملة ردود فعل إيجابية من عامة الناس بحسب مسح أجريته عام 2024 لورقة علمية منشورة. حيث أبدى المستجيبين آراء إيجابية وذلك بالإشادة أن هذه الحملة قلّلت من الازدحام ونفذت تدابير السلامة وخلقت بيئة آمنة. أبعد من ذلك، فقد تضمنت الحملة أيضًا تغييرات هيكلية من الناحية القانونية لإدارة البنية التحتية والخدمات المناسبة للحجاج التي تتمثل في النقل ومرافق الإقامة والخدمات الصحية، والتي تشكل جوهر تنظيم مثل هذا الحدث.
وبالتالي، يمكن اعتبار حملة “لا حج بلا تصريح” بمثابة الاستراتيجية التشغيلية للحج. ولضمان استدامة هذه الاستراتيجية فلابد من تقييمها وتطويرها للتغلب على الثغرات التي قد تظهر، وفي الواقع هذا شأن المملكة دائما مع خططها ومشاريعها لتضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة فيما يتعلق بنشر قيم العدالة والمساواة لتعزز مكانتها كدولة رائدة في مجال نشر التسامح والتعايش.

