سلمان الشريدة
في الصراعات الممتدة، لا تكون المعركة عسكرية فقط، بل إعلامية وسياسية أيضاً. وكل طرف يسعى إلى بناء رواية تمنحه شرعية أمام الداخل والخارج. لكن الروايات، مهما بلغت قوتها الدعائية، لا تصمد طويلاً إذا اصطدمت بالوقائع.
هذا ما يحدث اليوم في الملف اليمني. فالتصريحات الأخيرة الصادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وما تلاها من توضيحات قيادة تحالف دعم الشرعية، إلى جانب الموقف السعودي، لم تقتصر على الرد السياسي، وإنما قدمت سردية قائمة على الوقائع والأحداث التي يمكن التحقق منها.
فالحديث عن “الحصار” بات يُقابَل بمجموعة من الحقائق المتعلقة باستمرار عمل موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، واستمرار دخول الغذاء والوقود والدواء، إضافة إلى المبادرات المتكررة لتشغيل مطار صنعاء، والتي اصطدمت برفض الحوثيين. وهو ما ينقل النقاش من دائرة الشعارات إلى دائرة المسؤولية السياسية عن استمرار معاناة اليمنيين.
وفي المقابل، يبرز سؤال أكثر أهمية: لماذا ترفض المليشيا المبادرات التي تخفف معاناة المواطنين إذا كانت تدّعي أن هدفها الأول هو رفع المعاناة؟ هنا تظهر طبيعة المشروع الذي تتبناه الجماعة، والذي يبدو أنه يربط مستقبل اليمن بحسابات إقليمية تتجاوز المصلحة الوطنية.
كما أن استهداف صادرات النفط، وتعطيل موارد الدولة، واحتجاز طائرات الخطوط اليمنية، ورفض المبادرات المتعلقة بالمطار، كلها ممارسات انعكست بصورة مباشرة على الاقتصاد اليمني ورواتب الموظفين والخدمات الأساسية، وهو ما يجعل المواطن اليمني أول المتضررين من استمرار هذا النهج.
وفي المقابل، يبرز الموقف السعودي باعتباره اتجه خلال السنوات الماضية نحو دعم استقرار الاقتصاد اليمني، وتمويل الحكومة، وتوفير المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل الكهرباء، ودعم المسار الأممي للحل السياسي، مع التأكيد في الوقت ذاته على حماية الملاحة الدولية وتطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
ومن زاوية استراتيجية، فإن حماية باب المندب أصبحت قضية تمس الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، ولم تعد قضية يمنية فحسب، ولهذا فإن إعلان التحالف اتخاذ إجراءات حازمة لحماية السفن يمثل رسالة بأن حرية الملاحة ليست مجالاً للمساومة أو الابتزاز السياسي.
إن أخطر ما كشفته التطورات الأخيرة ليس فقط استمرار الأزمة اليمنية، وإنما اتساع الفجوة بين مشروع يسعى إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، ومشروع آخر يوظف اليمن ضمن حسابات إقليمية أوسع. ولذلك فإن معركة اليمن الحقيقية لم تعد تدور حول ميناء أو مطار، بل حول استعادة القرار الوطني من أي مشروع خارجي، وإعادة توجيه موارد الدولة لخدمة المواطن اليمني، لأن السلام الحقيقي يبدأ عندما تصبح مصلحة اليمن فوق أي أجندة أخرى.

