د عائشة مفتي القرشي
خبير الحماية من الفيضانات وهيدرولوجيا المناطق الجافة
في ظل وجود دراسات تؤكد وجود تغير مناخي يؤثر على الحياة في الأرض إلا أنه بالمقابل نجد هناك مجموعات تنكر أو تشكك بوجود أي تغيرات ولها أسبابها.
تتكون هذه المجموعات غالبا من لوبيات المصالح الصناعية والسياسية والأيديولوجية، ولوبي الوقود الأحفوري ودعاة الصناعة بدعم من وسائل الإعلام المحافظة ومراكز الفكر المحافظ، وهي منتشرة أكثر في الولايات المتحدة وبعض الدول ككندا وبعض الدول الأوروبية حيث ينشط هؤلاء اكثر في التشكيك في ظاهرة الاحتباس الحراري والتغير المناخي، وذلك لتقويض ثقة الجمهور في علوم المناخ، حيث يروج هؤلاء إلى أن الإجماع العلمي حول الاحتباس الحراري هو مجرد وهم، متهمين علماء المناخ بأنهم يعملون على مصالحهم المالية الخاصة بنشر هذه الأباطيل، وذلك لمعارضة الحاجة الى اتخاذ أي إجراءات للسيطرة على أي أنشطة بشرية تهدف إلى التقليل من آثاره وتؤثر على مصالحهم الاقتصادية.
المثير أنه هناك جدل في داخل هذه الأوساط نفسها حول التغير المناخي ويرى ذلك واضحا في نتاج دراستين متعارضتين نشرتا لمنتمين لهذا اللوبي كمثال، حيث انه في عام 1959 نشر عالم يعمل لدى شركة شِل النفطية مقالا في مجلة نيو ساينتست يدعي فيه أن “دورات الكربون واسعة جدًا بحيث لا يمكنها أن تخل بتوازن الطبيعة”، لكن في عام 1966، نشرت منظمة معنية بأبحاث صناعة الفحم نتائج دراسة تؤكد “أن استمرار الاتجاهات السائدة في استهلاك الفحم ستزيد بدورها درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض فضلًا عن إحداث تغيرات واسعة في مناخات الأرض” وأن “مثل هذه التقلبات في درجة الحرارة من شأنها أن تتسبب في إذابة القمم الجليدية القطبية، والتي سيترتب عليها غمر العديد من المدن الساحلية، بما فيها نيويورك ولندن”.
الجدير بالذكر أنه يملك هؤلاء آلات إعلامية قوية ومؤثرة تروج بقوة ضد وجود أي احترار حراري وتغير مناخي مما يؤدي إلى تأثر قطاع لا بأس به من الرأي العام بهم وبما يروجون، كما بين ذلك استطلاع أجرته أنغوس ريد في عام 2010 والذي بين أن شكوك الاحترار العالمي بدأت ترتفع في بعض الدول كالولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة. وقد رأينا كيف انه ومع تقلد رونالد ريغان الرئاسة الأميركية في عام 1981، تم تصنيف الاحترار ليكون ضمن القضايا السياسية، وعليه تم خفض الإنفاق على الأبحاث البيئية خصوصا ما يتعلق بالمناخ، كما انه ترأس جيم إينهوفي لجنة مجلس الشيوخ بالولايات المتحدة للبيئة والأشغال العامة (2015 – 2017 م)، وهو من جماعات الضغط النفطية ومنكري تغير المناخ أيضا وقد وصف تغير المناخ بأنه “أكبر خدعة ارتكبت ضد الشعب الأمريكي”، مع ملاحظة أن الرئيس المنتخب حاليا “دونالد ترمب” هو أيضا من المشككين بالتغير المناخي.
هذا وقد تكون أحد أسباب انكار التغير المناخي أو التشكيك فيه هو جعل الحكومات تركز أكثر على القضايا الاقتصادية التي تلامس حياتهم بطريقة مباشرة أكثر من القضايا البيئية بعيدا عن “هدر” الأموال على أمور البيئة من وجهة نظرهم، مما أثر على الجهود التشريعية، وأدى إلى تساهل حكومات هؤلاء في اتخاذ الإجراءات المطلوبة للحد من انبعاثات غاز ثاني اوكسيد الكربون وعدم جعلها أولوية، خاصة وأن هذه الإجراءات مكلفة حينا وصعب تطبيقها في أحيان أخرى بالإضافة إلى بعض التخبط حول بعض الأمور مما يعرقل الوصول الى الأهداف المقررة حسب الاتفاقيات الدولية في التوقيت المقرر، وذلك بالنسبة للدول الصناعية الكبرى والمسؤولة عن النسبة الأكبر من الانبعاثات، أو الدول الفقيرة المطلوب منها اتخاذ إجراءات اعلى من قدراتها بكثير، والحاجة إلى تغيير نمط حياة كاملة في أحيان كثيرة. بالتالي فأن عدم اتخاذ إجراءات او العودة عن بعض الإجراءات ليس دوما بسبب عدم الإيمان بوجود تغير مناخي وانما صعوبة تنفيذ هذه الإجراءات في الوقت المقرر وبالطريقة المقررة، لكن هل التجاهل الكلي لظاهرة يؤكدها الواقع والعلم هو الحل ؟؟؟.

