الوئام- خاص
في خطوة استراتيجية مهمة، عزّزت فرنسا وجودها العسكري والدبلوماسي في جيبوتي خلال الآونة الأخيرة، وذلك بعد تراجُع نفوذها في غرب أفريقيا وشرق القارة.
في حديث خاص لـ”الوئام”، تحدَّث المؤرّخ والخبير الفرنسي، رولاند لومباردي، عن الأبعاد الجيوسياسية لهذا التحوّل، مضيفا أن هذا الوجود الفرنسي يعكس توجّها استراتيجيا جديدا في منطقة القرن الأفريقي.

تراجع النفوذ الفرنسي
خلال الأعوام الأخيرة، شهدت منطقة غرب أفريقيا تحولا جيوسياسيا بارزا، إذ تزايد نفوذ القوى الروسية والصينية في المنطقة، وكان انسحاب القوات الفرنسية من تشاد بمثابة علامة على تراجع نفوذ باريس في أفريقيا الناطقة بالفرنسية، خاصة في منطقة الساحل والصحراء، كما أسهمت المشاعر المعادية لفرنسا، التي غذتها روسيا عبر مجموعة “فاجنر” والصين، في إضعاف موقف باريس، مما دفعها لإعادة النظر في استراتيجيتها في القارة.
تعزيز الوجود في جيبوتي
رولاند لومباردي يقول إن جيبوتي تمثّل نقطة استراتيجية مهمة، نظرا لموقعها الجغرافي الذي يربط البحر الأحمر بمضيق باب المندب، وهو أحد الممرات البحرية الأكثر أهمية في العالم.
ويعتبر الخبير الفرنسي وجود بلاده في جيبوتي خطوة ضرورية لتأمين مصالح فرنسا الاقتصادية والبحرية، خاصةً في ظلّ تزايد التوترات والصراعات في مناطق مثل: اليمن والصومال وإثيوبيا.
يوضح لومباردي أن “تعزيز الوجود الفرنسي في جيبوتي، لا يقتصر فقط على تأمين المنطقة، بل يعكس أيضا رغبة باريس في الحفاظ على نفوذها في منطقة كانت تعدها في الماضي حديقتها الخلفية”.
تعويض الخسائر
ويرى المؤرّخ الفرنسي أن تعزيز الوجود الفرنسي في جيبوتي، يعكس نوعا من الرد على تراجع فرنسا في الساحل والصحراء. ومع ذلك، فهو يعتبر أن هذا الوجود في جيبوتي يتجاوز مجرد تعويض عن الخسائر، بل هو خيار استراتيجي، يشمل الحفاظ على نقطة مراقبة في شرق أفريقيا والشرق الأوسط، ومنطقة المحيط الهندي، في ظل تزايد التعددية القطبية والتنافس بين القوى العظمى.
أما عن سعي فرنسا لتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية المهمة، فيشير لومباردي إلى أن مضيق باب المندب وقناة السويس، يربطان المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط، مما يجعلهما شريانا حيويا للتجارة العالمية.
ويتابع أن “فرنسا تدرك أهمية تأمين هذه الممرات البحرية، خاصة في ظل التوترات الإقليمية والتنافس بين القوى العظمى، وهي تسعى لحماية تدفقاتها التجارية ومنع القرصنة والتهديدات الإرهابية”.
الصراع في القرن الأفريقي
لومباردي يؤكد أن فرنسا لا تسعى للانخراط المباشر في صراعات القرن الأفريقي، لكن وجودها في جيبوتي يمنحها دورا رئيسيا في مراقبة الصراعات الإقليمية، خاصة بين إثيوبيا وإريتريا والصومال، ففرنسا تتجنب التدخل العسكري المباشر، لكنها قادرة على ممارسة تأثير دبلوماسي وعسكري في حال حدوث أزمات. ووفقا له، يتماشى هذا مع الاستراتيجية الواقعية لفرنسا، التي تركّز على الحفاظ على مصالحها، بدلا من الانخراط في التزامات مكلفة وذات نتائج غير مضمونة.
ويُشير لومباردي إلى أن فرنسا تدرك تآكل نفوذها التقليدي في غرب أفريقيا، وتعمل على إعادة تموضعها الاستراتيجي في مناطق مثل جيبوتي، وهو ما يعكس تكيفا مع التحولات العالمية.
في ختام حديثه، يرى الخبير الفرنسي أن منطقتَي البحر الأحمر والمحيط الهندي أصبحتا ساحة للمنافسة العالمية بين القوى الكبرى، ولا تزال فرنسا، رغم تراجعها في بعض المناطق، قوة إقليمية مهمة، لكنها بحاجةٍ إلى مواجهة التحديات الجديدة، في عالم يتّسم بالتعددية القطبيّة والتحالفات المتغيرة.

