د. سلمان بن سعود العتيبي
أستاذ مشارك في إدارة السياحة والضيافة – جامعة الملك سعود
يمكن أن تلعب السياحة دورًا حيويًا في تنمية المجتمعات الصغيرة عندما يتم توظيف التراث الثقافي والتاريخي بشكل صحيح. إحياء المواقع التاريخية وتنظيم الفعاليات التراثية لا يساهم فقط في الحفاظ على الهوية الوطنية، بل يمكن أن يحول هذه المواقع إلى وجهات سياحية جاذبة، توفر فرصًا اقتصادية وتخلق تجارب ثقافية مثرية للزوار.
أحد الأمثلة الملهمة على ذلك هو سوق المفيجر في محافظة الحريق، الذي أصبح نموذجًا ناجحًا لإحياء التراث وتعزيز السياحة المحلية. يقع السوق على بعد ساعة ونصف من مدينة الرياض، ويعد واحة تراثية تنبض بالحياة، حيث يجمع بين جمال العمارة النجدية التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.
السوق مصمم بروح الماضي، حيث تبرز المباني الطينية، الأبواب الخشبية النجدية، والتفاصيل التراثية الأصيلة. هذا التصميم ليس مجرد مشهد بصري، بل يعكس تاريخ المنطقة ويخلق تجربة ثقافية حية تتيح للزائر الشعور وكأنه يسافر عبر الزمن، مما يساهم في ترسيخ الهوية المحلية وتعريف الأجيال الجديدة بأصالة الموروث الوطني.
خلال زيارتي، لفتني وجود العديد من الأكشاك التي تعرض منتجات محلية مثل البرتقال واليوسفي والعسل، حيث لم يقتصر الأمر على البيع فقط، بل كان فرصة لتمكين المزارعين والحرفيين المحليين. فقد أتاح لهم السوق مساحة لعرض منتجاتهم بشكل مباشر للزوار، مما ساهم في تعزيز الحراك الاقتصادي ودعم الإنتاج المحلي.
إضافة إلى ذلك، يضم السوق مشروعًا واعدًا يتمثل في فندق قيد الإنشاء داخل السوق ذاته. عند اكتماله، سيكون هذا الفندق خطوة مهمة في تعزيز الحركة السياحية بالمنطقة. سيمنح السياح فرصة الإقامة في بيئة تراثية أصيلة، مما يشجعهم على استكشاف المعالم السياحية في محافظة حوطة بني تميم مثل محمية الوعول وقلعة الإمام تركي بن عبدالله ومحمية الشعبة، والتي تعد وجهات سياحية غنية بالتاريخ والطبيعة.
تجربة سوق المفيجر تقدم درسًا مهمًا في كيفية تنمية المجتمعات الصغيرة من خلال توظيف التراث والفعاليات السياحية. فعندما يتم إبراز الثقافة المحلية بأسلوب تفاعلي وجذاب، يمكن للمجتمعات أن تحقق فوائد اقتصادية مع الحفاظ على هويتها الأصيلة ونقلها للأجيال القادمة.

