الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
يُجمع الباحثون والمؤرخون على أن ألمانيا النازية، وروسيا البلشفية، والصين تحت حكم ماو، وكمبوديا في ظل حكم الخمير الحمر، تمثل أكثر الأنظمة دموية في القرن الماضي. عند النظر إلى عدد الضحايا الذين قضوا تحت هذه الأنظمة، نجد أن التقديرات الأولية تشير إلى نحو 75 إلى 80 مليون شخص، وهو رقم يمكن اعتباره نقطة انطلاق موثوقة عند البحث في الأرقام الحقيقية.
يُنسب إلى كل من ستالين وماو مسؤولية مقتل ما يقارب 30 مليون شخص لكل منهما، لكن من المقبول عمومًا أن الأرقام الفعلية أعلى بكثير من ذلك. ومع ذلك، فهذه مجرد تقديرات ابتدائية، لأن العدد الحقيقي للضحايا الذين قُتلوا على أيدي هؤلاء الطغاة – الذين ذبحوا شعوبهم لتحقيق أهداف أيديولوجية أو أوهام مجد شخصي – قد يكون أعلى بكثير مما هو موثق.
لقد قال ستالين ذات مرة: “موت شخص واحد مأساة، أما موت مليون فهو مجرد إحصائية.” وهذه العبارة تلخص فلسفة الأنظمة القمعية التي تعامل شعوبها كأرقام وليس كبشر. إن فرض “الهندسة الاجتماعية” بيد دولة مطلقة، يتحكم فيها جهاز شرطة قمعي، كان ولا يزال وصفة مؤكدة للكارثة. ومن الجدير بالذكر أن أحد الاقتصاديين حصل على جائزة نوبل عن نظريته بأن السوق الحرة تعمل بشكل أفضل عندما يكون التدخل الحكومي محدودًا إلى أقصى درجة ممكنة.
أما عندما يحدث العكس، أي عندما تستخدم الدولة التدخل كأداة لفرض أهداف أيديولوجية أو اجتماعية، فإن ذلك يتحول إلى آلة قمعية قادرة على إخضاع الشعوب بالكامل. وهكذا، فإن التدخل الحكومي المطلق، سواء في الاقتصاد أو المجتمع، يقود إلى دولة بوليسية تفرض هيمنتها بالقوة وتقتل معارضيها دون رادع.
ما هو القاسم المشترك بين هذه الأنظمة الدموية؟
هناك عنصر مشترك يجمع بين جميع هذه الأنظمة القاتلة: إما أنها رفعت الإنسان فوق الله، أو أنها ألغت الدين تمامًا، مما جعل ممارسة العقيدة أو الاحتجاج على قمعها جريمة ضد الدولة.
في عصرنا الحالي، يتردد الحديث كثيرًا عن أن الأديان هي السبب الرئيسي في الحروب والنزاعات، وأنها كانت دائمًا أداة لإشعال الفتن والصراعات الدموية. لكن هل هذه الفرضية صحيحة تمامًا؟
أليس الإسلام، بما يحمله من قيم إنسانية، هو الذي جعل المملكة العربية السعودية ترفض الفكر المتطرف وترفض ما ترتكبه داعش في سوريا والعراق؟ أليس هذا هو السبب الذي جعل المملكة تأخذ زمام المبادرة في التصدي لهذه التنظيمات، ليس فقط على مستوى المنطقة، بل في العالم الإسلامي ككل؟ إن الأساس الديني الذي ترتكز عليه المملكة هو ما يمنعها من الانزلاق في مستنقع الفوضى والدمار الذي سقطت فيه دول أخرى مثل ألمانيا النازية وروسيا البلشفية والصين الشيوعية.
نظرة أعمق على الواقع الحالي
دعونا نعيد النظر في السؤال ذاته من زاوية أخرى: من الذي يشن حربًا تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة وإجبار سكانها على النزوح؟ من هم الذين يُجبرون على الفرار من سوريا بأعداد هائلة، رغم أنهم عاشوا في هذه الأراضي لقرون طويلة؟
والسؤال الأهم: من يتم جلبهم ليحلوا محل هؤلاء المهجرين، خصوصًا في العراق؟
الهدف من هذه الأسئلة، ومن هذا المقال، هو تسليط الضوء على حقيقة واضحة: الأنظمة التي أنكرت الدين وقمعت الممارسات الدينية لمواطنيها هي نفسها التي تسببت في أكبر المجازر وأبشع الانتهاكات الإنسانية في التاريخ. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.
لماذا لم تسقط المملكة في هذا المستنقع؟
الفرضية الثانية التي يمكن استخلاصها هنا هي أن المملكة العربية السعودية، بفضل هويتها الدينية، لم تنحدر أبدًا إلى الظلام كما فعلت ألمانيا وروسيا والصين في القرن الماضي. إن الدولة التي تضع الله فوق الإنسان يصعب عليها أن تهوي في مستنقع الديكتاتورية والوحشية المطلقة.
إن الدين، والمتدينين، لم يكونوا أبدًا أدوات مناسبة لمن يسعى للسلطة المطلقة عبر البطش والقمع. على العكس، فإن من يستخدم الدين كذريعة للقتل والقمع هو في الحقيقة من يعمل على تشويهه واستغلاله لأهداف سياسية بحتة.
من هو العدو الحقيقي؟
هنا نصل إلى الفرضية الثالثة، وهي أن هناك جهة ما تستخدم الدين كغطاء لتحقيق أهداف سياسية متطرفة، لكنها ليست المملكة العربية السعودية.
لأي مراقب، سواء كان متابعًا عابرًا للأحداث أو محللًا دقيقًا لها، فإن الإجابة واضحة تمامًا: هناك طرف واحد يعمل على إثارة الفوضى في المنطقة، وهذا الطرف ليس الرياض.
إذا كنت تبحث عن الجهة التي يجب أن تُحاسب على هذه الفوضى، فإن عليك أن تتجه نحو منطقة الخليج العربي، لكن لا تطرق باب الرياض.

